فهرس الكتاب
ثانيًا: قال القرطبي (ت 671هـ) : (( ومعنى عليهم، أَي: على المنافقين ) ) [1] . وإذا كان الضميرُ عائدًا على المؤمنين ليس في ذلك تفكيكًا للضمائر، فإِنَّ إِنزال الوحي يُعدَّى بـ (إلى) ، وبـ (على) الذي يتلقّاه الرسول (( - صلى الله عليه وسلم -) من الله تعالى. ويعدَّى بهما أيضًا إذا كان الحديث مع قومه. قال تعالى: (( قولوا آمنا بالله وما أُنزل الينا ) )ال عمران/136. وقال تعالى: (( قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا ) )آل عمران 84.
حَذَرُ الكافرين
ذكر اللهُ في كتابه العزيز الكافرين وهم يُبدون الحذر واستعدادهم لما سيُلاقون وورد ذكرُهم وهم يُحَذّرون بعضُهم بعضًا. هذان المعنيان جاءا في موضعين من الذكر الحكيم بصيغة التحذير الصريح، وأوّلُ هذين الموضعين ما جاء في الذكر على لسان فرعون حين يخاطب قومه لمواجهة موسى (ع) . قوله تعالى: (( إِنَّ هَؤُلاَءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ، وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ، وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ ) )الشعراء 54 - 56. قال الفرّاء (ت207هـ) : (( يُقال: عصبةُ قليلةُ وقليلون وكثيرون، واكثر كلام العرب، أن يقولوا: قومك قليل، وقومنا كثير، وقليلون وكثيرون جائزُ عربي، وإِنما جاز؛ لأَنَّ القلَّة تدخلهم جميعًا، فقيل: قليل وأُثِر قليل على قليلين، وجاز الجمعُ إذا كانت القلة تلزم جميعهم في المعنى، فظهرت اسماؤهم على ذلك ) ) [2] . وذهب أَبو البقاء (ت 616هـ) الى مثل هذا فقد ذكر أنّه جمع (قليلون) على المعنى؛ لأَنَّ الشرذمة جماعة [3] . وقد رأى آخرُ هذا الجمع جيء به لتتوافق رؤوس الآيات، ولو كان اللفظ مفردًا لكان جائزًا ايضًا [4] . يتبيّن مما سبق أَنَّ الأَقوال اقتربت بعضها من بعض فهي تُفيد أَنَّ قولَه: (الشرذمةُ قليلون) دالُ على الجمع، وقد وصِفَ الجمع بجمع المذكر السالم. وحين
(1) الجامع لأَحكام القرآن 8/ 195، الفتوحات الالهية 295.
(2) معاني القرآن 2/ 280.
(3) ينظر: التبيان في اعراب القرآن 2/ 966.
(4) البيان في غريب اعراب القرآن: أبو البركات بن الأَنباري، تحقيق: د. طه عبد الحميد طه، راجعه، مصطفى السقا، دار الكتب العربي، القاهرة، 1969م: 2/ 214.