النفس بقوهّم المضرّة، والظنُّ كذلك يزعج النفس فيسمّى باسمه على طريق البلاغة )) [1] . مما ذهب اليه اللغويون والمفسرون يتبيَّن أَن الخشية خوف عظيم؛ وذلك لاختصاصها بمخشى منه عظيم مقابل ضعف الخاشي. وفي هذا الموضع لنتدبر آيات الذكر الحكيم التي أفادت هذا المعنى.
أَنذر الله عباده وحذّرهم في مواضع عدّة وكانت عاقبة الإِنذار والتحذير الطاعة والتمسّك بالدين الحنيف عند أُناس معينين، وضربُ آخر من البشر لم يزده الإِنذار والتحذير الا تمرّدًا وعنادًا للآيات ربِّه. وحين كان الأَمر كذلك ذكر الله سبحانه النزر القليل الذي سمع التحذير وآمن به وأُتمر بأمره وانتهى بنهيه، هذا ما دعا القرآن الى تغليب هذا النُزر في الذكر وتخصيص الإنذار بهم؛ لأَنهم المنتفعون به دون سواهم على الرغم من أَنَّ الرسالة لعامة العباد. وفي هذا الموضع لنتأمّل معًا مواضع الذكر الحكيم التي حملت لفظة (خشى) وانصرفت دلالة التحذير للمنتفعين بالتحذير. ونتدرج بهذا من الفعل الماضي ثم المضارع فهاتان الصيغتان جاء فيهما هذا المعنى.
من صيغة الفعل المضارع يطالعك قولُه تعالى: (( إِنَّمَا تُنذِرُ مَنْ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَانَ بِالْغَيْبِ ) )يس 11. مما يُلاحظ في الآية المباركة أَنَّ انذارها اختصَّ بمن خشى الرحمن بالغيب. أَشار الشيخ الطوسي في الآية محل البحث إِلى أَنَّ الإِنذار اختصَّ بالخشية بالغيب؛ وذلك لأَنّه من كانت صفته هذه ينتفعُ بالتخويف دون غيره [2] . والى مثل هذا ذهب القرطبي فقد قال: (( إِنّما يقبلُ إنذارك من يخشى عقاب الله ) ) [3] . ومن هذا المعنى يُطالعك قولُه تعالى: (( هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ، مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَانَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ ) )ق33.
أَشار العديد من العلماء إِلى أَنَّ قوله تعالى: (( مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَانَ بِالْغَيْبِ ) )أَي: من خشى ربَّه في حال الغيبة عن مراءاة الناس، وخشى عقاب الله وهو غائب، أَو خشية
(1) الميزان في تفسير القرآن 18/ 377، 13/ 343 و ينظر: الاعجاز البياني للقرآن 209.
(2) ينظر: التبيان في تفسير القرآن 22/ 422.
(3) ينظر: الجامع لأَحكام القرآن 14/ 339.