بسبب الغيب الذي أَوعده به من عذابه، ومن كان حاله كذلك قيل له: أُدخل الجنة [1] . لو أَعدت النظر في الآيتين الكريمتين تلاحظ أَنَّ تعالى جمع بين الخشية وهي الخوف والحذر وبين الاسم الكريم الدال على سعة الرحمة فقال: (( الرحمن ) )وهذا ما تعرّض اليه الزمخشري موضحًا السبب الذي دعا الآية المباركة الى جمع الخشية والرحمن معًا. قال: (( فإن قلت: كيف قرن بالخشية اسمه الدال على سعة الرحمة؟ قلت: للثناء البليغ على الخاشي وهو خشية مع علمه أَنه الواسع الرحمة كما أثنى عليه بأَنه خاشٍ مع أَنَّ المُخشى منه غائبًا ) ) [2] . أمّا الفخر الرازي فلم يرَ ما رآه سابقه في الآية بل رأى وجهًا آخر أَوضحه بقوله: (( إِنَّ من اسماء الله اسمين يختصان به هما: الله والرحمن، فاللهُ يُنبىء عن الهيبة، والرحمن يُنبىء عن العاطفية، فقال في موضع يرجو الله، وقال ههنا: خشى الرحمن، يعني مع كونه ذا هيبة لا تقطعوا عنه رجاءكم ومع كونه ذا رحمة لا تأمنوه ) ) [3] . من هذا القول يتضح أَنَّ الآية المباركة جمعت الخشية التي بمعنى الخوف والحذر والرحمن الذي يدل على سعة الرحمة؛ للدلالة على جعل التعبير أكثر إِيحاءً بالشدة؛ وذلك لأَنَّ الرحمن ينبغي عليك خشيتهُ وحذره كيف لو كان غير الرحمن كأن يكون الجبّار؟
ومن ورود هذا المعنى بصيغة الفعل المضارع يطالعك قوله تعالى: (( الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنْ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ ) )الأَنبياء 49. أَشار المفسرون في الآية محل البحث ما أشاروا اليه في الآيات السابقة، إذ يُلاحظ إِجماعهم على أَنَّ قوله: (( يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ ) )، أي: يخشون عذاب ربهم في حال غيبتهم عن الناس، كما أَنَّ المقصود في الآية المباركة خوف وحذر الخاشي من عذاب يوم القيامة [4] . ومن هذا المعنى قولُه تعالى: (( إِنَّمَا
(1) ينظر: معاني القرآن، للفراء 2/ 79، اعراب القرآن، للزجاج 1/ 251، اعراب القرآن، للنحاس 2/ 223، التبيان في تفسير القرآن 26/ 371، الكشاف 4/ 389 - 390، التفسير الكبير 28/ 177، التبيان في اعراب القرآن 2/ 1176، الجامع لأَحكام القرآن 17/ 20، الميزان في تفسير القرآن 26/ 354.
(2) الكشاف 4/ 389 - 390.
(3) التفسير الكبير 26/ 47 - 48، ينظر: روح المعاني 26/ 190.
(4) ينظر: تنوير الأذهان 17/ 465، روح المعاني 17/ 57.