الصفحة 223 من 301

تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالغَيْبِ )) فاطر 18. قال الزمخشري في الآية محل البحث: (( اي: يخشون ربهَّم غائبين عن عذابه، أو يخشون عذابه غائبًا عنهم ) ) [1] . والى مثل هذا ذهب الآلوسي إذ قال: (( إنَّما تنذرُ بهذه الإِنذارات ونحوها الذين يخشون ربهم بالغيب، أي: يخشونه حال غائبين عن عذابه سبحانه، أو عن الناس( ... ) إنَّما ينفع إِنذارك وتحذيرك هؤلاء من قومك دون عداهم )) [2] . ومنه أيضًا قولُه تعالى: (( إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ) )الملك/ 12. قال القرطبي: (( أي يخافون الله ويخافون عذابه الذي هو بالغيب، وهو عذابُ يوم القيامة ) ) [3] . مما سبق تلاحظ الآيات المباركة تُثني على من يخشى ويحذر ربَّه في غيبته؛ لأَنَّ ذلك لا ينبغي وراء الخشية والحذر رياء الناس. ولما خصَّ الله سبحانه المنتفع بالإِنذار والتحذير من يخشى في حال الغيب تلاحظ في مواضع أُخر ذكر المنتفع بالإنذار دون تخصيص الغيب. من هذا المعنى يطالعك قولُه تعالى: (( طه، مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى، إِلاَّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى ) )طه 1 - 3. أشار عدد من المفسرين الى أَنما خُصَّ الخاشي؛ لأنَّه المنتفع بالإنذار والتحذير. قال الزمخشري في الآية محل البحث: (( لمن يخشى، لمن يؤول أمرهُ الى الخشية ) ) [4] . ولم ينأ الالوسي عن هذا المعنى ذاكرًا السبب في عدم ذكر غير الخاشي وذلك بقوله: (( اي: لمن شأنه أَن يخشى الله تعالى ويتأثر بالإنذار لرقّة قلبه، ولين عريكته، او لمن علم الله تعالى أنه يخشى بالتخويف( ... ) وخصَّ الخاشي بالذكر مع أَنَّ القرآن تذكرة للناس كلهم؛ لتنزيل غيره منزلة العدم )) [5] . ولمّا يُجهل ذكر من لم يخشَ وجعله كالعدم فإنَّ هذا لا يخلو من وعيد وتخويف له. فلنسيانه أحكام الله نُسي ذكره وأُحرز له من الوعيد ماقُرِرَ في مواضع أخر. وفي السورة ذاتها يرد المعنى ذاتها، قال تعالى: (( فَقُولاَ لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ) )طه 44. أشار الطبرسي

(1) الكشاف 3/ 607.

(2) روح المعاني 22/ 185 - 186، ينظر: الميزان في تفسير القرآن 24/ 260.

(3) الجامع لأَحكام القرآن 17/ 465.

(4) الكشاف 3/ 51، ينظر: الجامع لأَحكام القرآن 11/ 199، البحر المحيط 6/ 225، الميزان في تفسير القرآن 16/ 120.

(5) روح المعاني 16/ 150.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت