الصفحة 225 من 301

ومن هذا يطالعُك قوله تعالى: (( سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى ) )الأَعلى 10. ذكر القرطبي السبب في اختصاص الخاشي بالتذكرة دون غيره بقوله: (( إِنَّ تذكرةَ الخاشي أبلغ من تذكرة الراجي؛ فلذلك علّقها بالخشية دون الرجاء، وان تعلّقت الخشية بالرجاء ) ) [1] . وحين تلاحظ اختصاص الإنذار بمن يخشى الله تلاحظ الثناء على من كانت صفته الخشية والحذر، قال تعالى: (( وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ ) )الرعد 21.

مما يلاحظ في الآية الكريمة أَنها ذكرت (ويخشون ربهم) فالخشيةُ من الله عامة غير مقيدة بشيء، الا أَنَّ الشيخ الطوسي صرّح بأَنَّ الخشية في هذا الموضع هي من عقاب الله اذ قال: (( قوله: يخشون ربهم أي: يخافون عقابه فيتركون معاصيه ) ) [2] . وعلى هذا يكون في الآية محذوفًا وهو مضاف أُقيم المضاف اليه مقامه. وقد تابع الزمخشري سابقه على هذا المعنى وذلك بقوله: (( يخشون ربهم، أي: يخشون وعيده كلَّه، ويخافون خصوصًا سوء الحساب ) ) [3] . وحسب قول الزمخشري يكون التخويف في الآية المباركة شديدَ اللهجة؛ وذلك لأَنَّ الآية المباركة ذكرت الخشية وهي أَشد من الخوف وخصصتها لله سبحانه، ثم ذكرت الخوف وخصصته بالعقاب، فالأَكثر خيفة للأَكثر هيبة وهو الله، والأَقلُّ خيفة لمن دون الله. ولم ينأ الآلوسي في الآية عما ذهب اليه سابقوه فقد قال: (( يخشون ربهم، أي: وعيده سبحانه. والظاهر أَنَّ المراد به مطلقًا وقيل: وعيدُه تعالى على قطع ما أُمروا بوصله، ويخافون سوء الحساب، وهذا من قبيل ذكر الخاص بعد العام للاهتمام ) ) [4] . وبهذه المعاني فإنَّ الآيات الكريمة تحملُ من الوعيد مما لا يخفى، إذ أن من يخاف الله ويحذر سوء الحساب خائفًا وجلًا من ذلك اليوم، فكيف يجب أن يكون حال غيره من الخوف والحذر؟.

(1) الجامع لأَحكام القرآن 30/ 331، ينظر: اعراب ثلاثين سورة من القرآن 60، روح المعاني 30/ 108.

(2) التبيان في تفسير القرآن 13/ 244.

(3) الكشاف 2/ 525.

(4) روح المعاني 13/ 141، ينظر: الميزان في تفسير القرآن 13/ 343.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت