وفي مواضع من الذكر الحكيم قرر تعالى أَنَّ العلماء أشدُ العباد خشية من ربهم، قال تعالى: (( إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ) )فاطر 28.
قال الشيخ الطوسي: (( ليس يخاف الله حق خوفه، ولا يحذر معاصيه خوفًا من عقابه الا العلماء ) ) [1] . وقد ظلَّ الزمخشري في المعنى ذاته إذ قال: (( إنما يخشاه من عرفه حق معرفته، وعلمه كنه علمه. إِنَّ الله عزيزُ غفور، تعليل لوجوب الخشية الدالة على عقوبة العصاة وقهرهم، وإِثابة أَهل الطاعة ) ) [2] . وقد ذهب الفخر الرازي الى ما ذهب اليه سابقه موضحًا السبب في ذكر الخشية مع العزّة والمغفرة، قال: (( ذكر ما يُوجب الخوف والرجاء، فكونه عزيزًا ذا انتقام يوجب الخوف التام، وكونُه غفورًا لما دون ذلك يوجب الرجاء البالغ ) ) [3] .
من هذا يتبيّن أَنَّ الآية المباركة جمعت الخوف والرجاء؛ وذلك لإِفادة الترهيب والترغيب، فالترهيب يُوجب ذكر الخوف والترغيبُ يُوجب ذكر الرجاء ليتبين للسامع أو القارئ مراتب الخشية والخوف من الله عز وجل حتى يحذر. أَما الآلوسي فقد ظلَّ في المعاني التي سبقه اليها المفسرون موضّحًا السبب في تقديم المفعول وهو قوله: (( الله ) )على الفاعل وهو قوله: (( العلماء ) )إذ قال: (( وتقديمُ المفعول؛ لأَنَّ المقصود بيان الخاشين والإِخبار بأنهم العلماء خاصة دون غيرهم، ولو أخّر لكان المقصود بيان المخشى والإِخبار بأنه الله تعالى دون غيره، كما قال: (( لايخشون احدًا الا الله ) )الاحزاب 39 والمقام لا يقتضيه، وانكر بعضهم إفادة انما للحصر وليس بشيء )) [4] . وهذا يوضّح مكان الخشية وعظم اهميتها، إذ أَنَّ تقديمها يُضفي عليها دلالة الاهمية وعظم المكانة. اما السيد الطباطبائي فقد جمع مع الآية وقوله تعالى: (( جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ ) )البينة 8. قال السيد
(1) التبيان في تفسير القرآن 22/ 427.
(2) الكشاف 3/ 611.
(3) التفسير الكبير 25/ 21، ينظر: تفسير القرآن العظيم 3/ 531، الميزان في تفسير القرآن 22/ 43.
(4) روح المعاني 22/ 191.