الطباطبائي: (( فالعِلمُ بالله يتتبع الخشية منه، والخشيةُ منه تبتع الايمان به، بمعنى الالتزام القلبي بربوبيته وإلوهيته ثم العمل الصالح ) ) [1] . ومن هذه المعاني يطالعُك قولُه تعالى: (( اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ) )الزمر 23.
أشار عدد من المفسرين في الآية محل البحث إِلى انها تُفيد التخويف، لاسيما أَن الاية ذكرت ألفاظًا تُوحي بذلك. قال الفرّاء: (( تقشعرُّ خوفًا من آية العذاب إِذا نزلت ) ) [2] . وقد تابع الزمخشري سابقه على هذا المعنى إِذ قال: (( تقشعرُّ جلودُهم من أيات الوعيد، وتخشى قلوبُهم في أُول وهلة، فإذا ذكروا الله ومبنى أَمره على الرأَفة والرحمة، استبدلوا بالخشية رجاء في قلوبهم وبالقشعريرة لينًا في جلودهم ) ) [3] . ومثله ما ذهب اليه الطبرسي بقوله: (( أي: تأخذُهم قشعريرة خوفًا مما في القرآن من الوعيد ) ) [4] . أمّا الآلوسي فقد أَوضح ما يفيده قولُه تعالى: (تقشعر) بقوله: (( اقشعرَّ جلدُه، وقف شعرهُ إذا عرض له خوفُ شديد من أَمر هائل دهمه بغتةً، والمرادُ تصوير خوفهم بذكر لوازمه المحسوسة، ويطلق عليه التمثيل وإن كان من باب الكناية، وهو تصويرُ للخوف بذكر آثاره، وتشبيه حالة بحالة فيكون تمثيلًا حقيقةً( ... ) وذكر القلوب لتقدّم الخشية التي هي من عوارضها )) [5] . من هذا يتبين أَنَّ الآية الكريمة أوضحت صفة من يخشى الله بقوله: (( تقشعر ) )ثم أوردت الآية صفة ثانية لهؤلاء القوم وهي: (( تلين جلودُهم وقلوبهُم ) )وهذا جمعُ للتخويف من عظمة الله من جهة ورجاء الأمل من جهة أخرى، وهذا هو الترهيب حينًا والترغيب حينًا آخر.
(1) الميزان في تفسير القرآن 3/ 340.
(2) معاني القرآن 2/ 418.
(3) الكشاف 4/ 124.
(4) مجمع البيان في تفسير القرآن 8/ 494، ينظر: التفسير الكبير 26/ 273، الجامع لأحكام القرآن 15/ 249.
(5) روح المعاني 24/ 259؛ ينظر: الميزان في تفسير القرآن 24/ 256.