فقد أوضح الدلالة التي يُوجهها قولُه تعالى: (( فاللهُ أحق أن تخشوه ) )قال الرازي: (( يُفيد ذلك كأَنَّه قيل: إِن كنت تخشى احدًا فالله أَحق أن تخشاه؛ لكونه في غلبة القدرة، والكبرياء، والجلالة، والضرر المتوقّع منهم غاية القتل، أمَّا المتوقّع من الله فالعقاب الشديد في القيامة، والذم اللازم في الدنيا ) ) [1] . مما ذهب اليه الرازي تتبين فيه الدلالة على عظم التهديد والتحذير؛ لاسيما أَن التخويف شمل العذاب الدنيوي والأُخروي معًا. لكنه لم يغفل دلالة الترغيب في الآية لمواجهة اعداء الله. ومنه ايضًا قوله تعالى: (( وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُوتخشى الناس واللهُ أَحقُّ أن تخشاه ) )الاحزاب 37. فالاية المباركة تبين وجوب خشية الله وعدم خشية غيره، وهي كسابقاتها في اتباع طريق الترهيب والترغيب. ومن طريقة الترهيب ما ورد في الذكر الحكيم من خشية الجمادات دون العقلاء فإذا كان من لا يعقل حذرًا من ربه فكيف ينبغي أن يكون العاقل المتأمّل؟ قال تعالى: (( ثم قسّت قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوةً وإن من الحجارة لما يتفجرّ منه الأَنهار وان منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله وما اللهُ بغافل عما تعلمون ) )البقرة 74. أشار عدد من المفسرين في الآية المباركة إلى أنَّ الآية حين ذكرت الحجارة وهي خاشية من الله لتبين التذلل والخشوع من الله وعظمته فهي منقادة لأوامره [2] . ومن هذا المعنى قولُه تعالى: (( لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَلو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعًا متصدّعًا من خشية الله وتلك الامثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون ) )الحشر 21. مما يُلاحظ في الآية المباركة أنها خصّت الجبل بخشيته من الله. وفي هذا الموضع رأى النحاس أَن الآية فيها دلالة على أَنَّ من يكون القرآن معه يجب ان يكون خائفًا حذرًا له منزهًا عّمن يخالفه [3] . أَما المفسرون فقد أشاروا الى أَنَّ الآية المباركة
(1) التفسير الكبير 15/ 235؛ ينظر: روح المعاني 10/ 61.
(2) ينظر: التبيان في تفسير القرآن 1/ 309، الجامع لأحكام القرآن 1/ 465 - 466، روح المعاني 1/ 297، الميزان في تفسير القرآن 1/ 203.
(3) ينظر: اعراب القرآن 3/ 405.