الصفحة 231 من 301

توبيخ للإنسان؛ وذلك لقساوة قلبه امام عظمة القرآن [1] . أما السيد صاحب الميزان فقد ظلَّ في المعاني ذاتها موضّحًا الدلالة في اختصاص الجبل في الآية المباركة فقد قال: (( المرادُ تعظيم أَمر القرآن بما يشمل عليه من حقائق المعارف، وإصول الشرائع، والعبر، والمواعظ، والوعد والوعيد. والجبل مع ما فيه من الغلظة، والقسوة، وكبر الحجم، وقوة المقاومة قبال النوازل متأثّرًا، متفرقًا، من خشية الله، والالتفات من التكلم مع الغير الى الغيبة في قوله: (( من خشية الله ) )للدلالة على علّة الحكم فإنما يخشع ويتصدّع الجبل بنزول القرآن؛ لأنه كلام الله عز وجل )) [2] . وفي هذا دلالة الترهيب من جهة لاسيما ان ذلك الجبل اضطرب من قوارع القرآن وتحذيراته كيف بالإِنسان الذي لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا؟ ودلالة الترغيب في الحث على استلهام ما في القرآن من عبر ومواعظ وأمثال للاتعاظ بها.

من العرض الموجز لبعض مواضع الذكر الحكيم التي جاء فيها التحذير بلفظة (خِشِيِ) واشتقاقاتها يتبين أن اللفظة لم تقتصر على إِفادة التحذير بل جمعت معه دلالة أخرى وهي الترغيب، فالترهيب من الله وبيان عظمته يصاحبه الثناء على تلك الخشية والوعد بالنجاح لمن يكون حاله كذلك. كما أَن بيان خشية الجمادات من القرآن تبعت الرعب في قلب الإنسان الى جنب طمأنته الى ان الامثال التي ضُربت هي في صالحه لكي يأخذ منها العبرة والموعظة ويحذر.

أشار ابن منظور الى ان الخشية لما تكون من الله يكون معناها العلم [3] ، ورد هذا المعنى في موضع واحد من الذكر الحكيم وهو قولُه تعالى: (( وَأَمَّا الْغُلاَمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًاواما الغلامُ فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانًا وكفرًا ) )الكهف 80.

(1) ينظر: التبيان في تفسير القرآن 28/ 572، الجامع لأحكام القرآن 18/ 44، روح المعاني 18/ 61 - 62.

(2) الميزان في تفسير القرآن 19/ 221.

(3) ينظر: لسان العرب 14/ 229.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت