قولُه تعالى: (( وما منعنا أن نرسل بالآيات الا أَن كذّب الأولون او آتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسلُ بالايات الا تخويفا ) )الاسراء 59. قرر تعالى في هذا الموضع الغرض من الإِرسال بقوله: (( تخويفا ) ). لقد أوضح الشيخ الطبرسي الدلالة من التخويف فذكر أَنَه يدلُّ على (( العظة والزجر لهم من عذاب الله ) ) [1] . وقد تابع الفخر الرازي سابقه في هذا المعنى مفيدًا أَنَّ الآية تخويف من العذاب الذي سيُعجل اليهم إِذا لم يتعظوا مما هم عليه او من عذاب الآخرة [2] . إلا أنَّ ذلك الزجر والتخويف من العذاب سواء أَكان دنيويًّا أم أخرويًا لم يزد من خُوِّف الا عنادًا وتمرّدًا وهذا ماقرره تعالى بقوله: (( وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَانًا كَبِفيرًا ) )الإِسراء 60. أَفاد السيد الطباطبائي الدلالة المبتغاة من التخويف في الآية محل البحث بقوله: (( أَمّا التخويف بالموعظة والبيان أو بالآيات المخوّفة التي هي دون الآيات المهلكة المبيدة، والمعنى: ونخوّف الناسَ فما يُزيدهم التخويف الا طغيانًا، ولا أَي طغيان كان، بل طغيانًا كبيرًا، اي انّهم لايخافون من تخويفنا حتى ينتهوا عما هم عليه ) ) [3] . ومن لم يتّعظ بالإِنذار والتخويف فقد أُحرز له من العذاب ما قُرِرَ في مواضع أَخرى من الذكر الحكيم.
وحين يُلاحظ في الذكر الحكيم الله هو المخوّف والمحذِّر من العذاب، يُلاحظ في مواضع أَخرى أَنَّ العباد هم الذين يخافون ويحذرون ذلك العذاب. قال تعالى: (( قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ) )الانعام 51. والعذاب الذي نُعِتَ بأَنّه عظيم أُريد منه عذابُ يوم القيامة [4] . وعلى هذا سيكون التحذير من العذاب اكثر ايحاءً بالشدة؛ وذلك لوصفه بالعظمة. ويطالعنا الإيحاء بشدة العذاب قولُه تعالى: (( يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنْ الرَّحْمَانِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا ) )مريم/45 ولايخفى ما في الآية المباركة من وعيد وتحذير فالابن يخاطب أباه باسلوب مليء بالرأفة والحنان فيقول: (( ياأبت ) )ثم يخوّفه عذاب الرحمن
(1) مجمع البيان في تفسير القرآن 6/ 423.
(2) التفسير الكبير 4/ 54 - 55.
(3) الميزان في تفسير القرآن 13/ 138.
(4) ينظر: التبيان في تفسير القرآن 7/ 95.