مضيفًا وجهًا آخر لقوله تعالى: (مقامي) فقد قال: (( اسم مكان أُريد به مرتبة قيمومنه تعالى للأمر كله ) ) [1] . وسواء أُريد بالمقام المصدر أَم اسم المكان فيه من التخويف مما لايخفى، فالخوفُ من مقام الله عز وجل أَو من تمكّنه من الأَمر يُستحق الثناء. ويطالعنا من هذا المعنى قولُه تعالى: (( لِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ) )الرحمن 46. وهذا ثناء من الله سبحانه وجهه لمن صفته الخوف من الله عز وجل [2] . ومنه أيضًا قوله تعالى: (( وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنْ الْهَوَى ) )النازعات 40 - 41. مما يُلاحظ في الآية الكريمة تقديم الخوف على الجزاء المترتب عليه، وقد بيَّن الفخر الرازي الدلالة التي يفيدها تقديم الخوف بقوله: (( إِعلم أَنَّ الخوفَ من الله لابُدَّ وأَن يكون مسبوقًا بالعلم بالله على ما قال: (( إنما يخشى الله من عباده العلماء ) )فاطر 28 ولمّا كان الخوفُ من الله هو السبب المعيّن لدفع الهوى لاجرمَ قَدَّم العلة على المعلول )) [3] فالاعتناء بالخوف هو سبب تقديمه على غيره.
ومما يوضع في هذا الموضع الآيات التي يُؤمّن الله سبحانه بها عباده بأَنَّ لا خوف عليهم ولا حزن، وما هذا الا ترغيبًا في الإِيمان وتحذيرًا وترهيبًا من الكفر. والشواهد على هذا كثيرة يقف الباحث عند جزء يسير منها لبيان الصورة.
قال تعالى: (( اِن اللذين آمنوا واللذين هادوا والنصاري والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحًا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوفُ عليهم ولا هم يحزنون ) )البقرة 62. أوضح السيد عبد الأَعلى السبزواري في الآية محل البحث المراد من نفي الخوف عن المؤمنين بقوله: (( أي لا خوف عليهم من المتوقّع، ولا حزن على المواقع، ونفي ذاتها يقتضي نفي جميع ما يتصوّر فيهما من الإِفراد أَبدًا لجميع مراتبها من الخارجية، والعقلية، والخيالية فإِنَّ الحضور المطلق المستفاد من قوله: (( عند ربهم ) )تقتضي نفي الخوف والحزن بالنسبة إليهم، فإِنَّ الوصول إلى مرتبة الكمال التام والمستغرق في فيوضات الكمال المطلق بالذات لا يتصور
(1) الميزان في تفسير القرآن 12/ 35.
(2) ينظر: التفسير الكبير 29/ 122.
(3) التفسير الكبير 31/ 51.