التهديد والوعيد يطالعُك قولُه تعالى: (( وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ ) )الأنعام 30. وأَنت تلاحظ الآية المباركة عمدت إلى فعل الأمر (ذوقوا) وجعلت المذاق للعذاب والمرادُ من ذلك التخويف [1] . ومن المعنى ذاته قولُه تعالى: (( وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمْ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ) )السجدة 20. وأنت تلاحظ في الآية الكريمة حال الفاسقين وهم في النار يحاولون الخروج منها فلم تؤتِ محاولاتهم ثمارها، فهل مَنْ في ذلك الموقف بقوى على التذوّق، أهو في حالة تسمح له بذلك؟ جوابُ هذا يدعوك إلى أن تُخرج الأمر من معناه الحقيقي الى معنى ثانٍ يتوافق مع دلالة السياق القرآني، وسياقُ الآية تهديد وتحذير من الفسق فيكتسبُ الفعل دلالته من دلالة السياق.
ذكر أَحدُ الباحثين الدلالة التي يفيدها فعلُ الأَمر (ذوقوا) بقوله (( فأنزلَ الله الكافرين منزلهَ من يتذوّق الطعام فجعلهم يستلذون بهذا العذاب كأنهم سعوا إليه بأرجلهم وعملوا جاهدين على نيله ) ) [2] . وفي هذا تحذيرُ وترهيب كما لايخفى. ومن الأَمر بدلالة الوعيد قولُه تعالى: (( ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ ) )الانعام 91. وليس خافيًا عليك أَنَّ الله سبحانه وتعالى لا يأمر نبيه (- صلى الله عليه وسلم -) بترك قومهِ للعبِ بل إِنما أَمر بإنذارهم وتبشيرهم لكن الأَمر جاء لإِفادة تحذيرهم مما هم عليه. قال الشيخ الطوسي في الآية محل البحث: (( ضربُ من الوعيد والتهديد، كأَنّه قال: دعهم فسيعلمون عاقبة أمرهم ) ) [3] . ومن هذا المعنى يطالعَك قولُه تعالى: (( ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمْ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ) )الحجر 3. قال النحاس (( ذرهم في موضع أمر فيه معنى التهديد ) ) [4] . وقد تابع النحاس على هذا عدد من المفسرين
(1) ينظر: مجمع البيان في تفسير القرآن 4/ 291.
(2) الترغيب والترهيب في القرآن الكريم (دراسة بلاغية) : موسى سلوم عباس الربيعي، رسالة ماجستير، كلية الآداب، جامعة المستنصرية، اشراف د. هند حسين طه، 1998م: 70.
(3) التبيان في تفسير القرآن 7/ 213، ينظر: مجمع البيان في تفسير القرآن 4/ 333، التفسير الكبير 13/ 79، روح المعاني 8/ 221.
(4) اعراب القرآن 2/ 190.