إذ رأوا الأمر أفاد الوعيد [1] ، وذلك لأَنَّ الله سبحانه لا يأمر بالتمتع المحرّم واللهو، إنّما يحذِّرُ من هذه الأُمور فاكتسب الأَمر دلالته من السياق. ومثلُه قولُه تعالى: (( فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ، فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ ) )المؤمنون 53 - 54.
أشار الفخر الرازي الى ان قوله: (فذرهم) أُريد به الوعيد والتهديد [2] ومن الأَمر بالتمتع يطالعُك قولُه تعالى: (( وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ ) )ابراهيم 30. وأَنت تُلاحظ الفعل (تمتعوا) لم يفد معنى الأَمر، فكيف يأمر الله بشيء ثم يُعاقب على إِطاعتك ذلك الأَمر؟ قال صاحبُ الميزان: (( ليس المرادُ أمرَهم بالتمتع بل تهديدهم وزجرُهم بإِسلوب مقنع ) ) [3] . من هذا يُلاحظ أَنَّ الأَمر حين يُفيد دلالة الوعيد يكون الخطاب مقنعًا لكنَّ المفسّر لم يفصح عن سبب الإِقناع. أما أَحد البلاغيين فقد اشار في الآية محل البحث الى ما يمكنك منه فهم سبب الإِقناع إذ رأى قوله (تمتعوا) جيء به للكشف عن (( غرضهم الفاسد الذي كانوا يخفوه ليكون أَبلغ في فضيحتهم ) ) [4] . وإذا ما تخفيه قد أُخرج وأُفتضح، فأيُّ تخويفٍ بعد هذا؟ ومن الأَمر بالتمتع قوله تعالى: (( لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ) )النحل 55. وأنت تلاحظ الآية المباركة تأمرُ بالكفر والتمتع فهل يصحُّ أَن يأمر الله بمثل هذا؟ لم يبقَ عليك الا أن تخرج الأمر من معناه الحقيقي الى معنى آخر يتوافق مع السياق القرآني. والسياق القرآني في هذا الموضع وعيد وتهديد، والمرادُ من هذه المعاني أَن تحذر الكفر وتحذر التمتع. قال الطبرسي: (( ابتداء خطاب لهم على التهديد والوعيد، يقول: فتمتعوا أَيّها الكفّار في الدنيا قليلًا فسوف تعلمون ما يحلُّ بكم
(1) ينظر: التبيان في تفسير القرآن 14/ 318، الكشاف ط بيروت 4/ 318، المقتضب 2/ 86، الميزان في تفسير القرآن 12/ 97.
(2) التفسير الكبير 23/ 105.
(3) الميزان في تفسير القرآن 12/ 57.
(4) علم المعاني، للدكتور درويش الجندي، مطبعة مكتبة النهضة، مصر، ط2، 1962م: 87.