في العاقبة من العقاب، وأليم العذاب، وحُذِفَ لدلالة الكلام عليه )) [1] . ومن هذا المعنى يطالعُك قوله تعالى (( لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ) )الروم34. فالأمر بالكفر والتمنع يأباه الله ورسوله ولمّا يأمر به تكون دلالته التهديد والوعيد [2] . قال أبو عبيدة في الآية محل البحث: (( مجازُه مجاز التوعّد والتهدد، وليس بأمر طاعة أو فريضة ) ) [3] . ومن مواضع الذكر الحكيم التي تُعطي حرية العبادة للعابد على جهة التهديد والوعيد بصيغة الأَمر قولُه تعالى: (( فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلاَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ) )الزمر 15.
مما لا يخفى أنَّ الآية الكريمة تأمر بعبادة ما يشاء الإِنسان، فكيف ذاك وقد قرر تعالى العبادة له وحده لا شريك له؟ قال الرازي: (( لاشبهةَ في أَنَّ قوله: (( فاعبدوا ما شئتم من دونه ) )ليس أمرًا بل المرادُ منه الزجر، ثم بيّن كمال الزجر بقوله: (( قل إن الخاسرين الذين خسروا انفسهم ) )ولما شرح الله خسرانهم وصف ذلك الخسران بغاية الفضاعة فقال: (( الا ذلك هو الخسران المبين ) )كان التكرير لأجل التأكيد ( ... ) فيا أيُّها المؤمنون بالغوا في الخوف والحذر والتقوى )) [4] . ومن الوعيد الذي خُصَّ به الكافرون بصورة الأَمر قوله تعالى: (( فَمَهِّلْ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا ) )الطارق 17. إذ يلاحظ أنَّ الأَمرَ في الآية يُراد به إعطاء الكافرين مهلةً زمنية ثم يأتيهم عذابُ الله الذي وُعدِوا به من قبلُ. وقد جاء الأَمر مرتين: مهّلْ وأمهلْ، وتكرارُ الأمر يُفيد زيادة تسكين رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) والتصبّر [5] . وزيادة التسكين والتصبّر لرسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) يُفيد زيادةَ إِرعاب الكافرين وكل ذلك (( زجرُ وتحذيرُ للقوم، وكما أَنّه تحذير لهم فهو ترغيب في خلاف طريقهم في الطاعات ) ) [6] .
(1) مجمع البيان في تفسير القرآن 6/ 366، ينظر: الكشاف ط بيروت 2/ 588، التفسير الكبير 20/ 52.
(2) ينظر: معاني القرآن للأخفش 2/ 438.
(3) مجاز القرآن 2/ 122. ينظر: اساليب الطلب عند النحويين والبلاغيين 207 - 208.
(4) التفسير الكبير 26/ 255، ينظر: مجمع البيان في تفسير القرآن 8/ 493.
(5) التفسير الكبير 31/ 134.
(6) المصدرُ نفسه 31/ 134.