الصفحة 245 من 301

أَما البلاغيون فقد تابعوا سيبويه فيما ذهب اليه، إذ أفادوا أَن النهي من بين معانيه التحذير [1] .

وفي هذا الموضع من البحث لنتأمل معًا بعض آيات الذكر الحكيم التي أُريد من نهيها دلالة التحذير.

قال تعالى: (( وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ ) )ابراهيم / 42 أشار الزمخشري الى أَنَّ الآية المباركة موجهةُ الى النبي (- صلى الله عليه وسلم -) ، وأُريد من توجيه الخطاب الى النبي (- صلى الله عليه وسلم -) التثبيت على ما هو عليه، كما أن الخطاب فيه وعيد وتهديد للظالمين، ولا يخلو من تسلية المظلوم وتهديد الظالم [2] . ولم يكُ بقية المفسرين بمنأى عما ذهب اليه الزمخشري بل تبعه على ذلك الكثير من المفسرين ومنهم الطبرسي (ت 548هـ) إذ ذكر أَنَّ النهي أَفاد (( وعيد الظالم وتعزيةَ المظلوم ) ) [3] . ومثل هذا رأى الآلوسي (ت1270هـ) فقد قال: (( وهو إِيذانُ بكون ذلك الحسبان واجب الاحتراز منه في الغاية،( ... ) ويجوز أَن يكون ذلك على طريق الكناية والمجاز بمرّتين: الوعيدُ، والتهديد )) [4] . من قراءتك لما رآه المفسرون لا تلحظ فرقًا فيما ذهبوا اليه. في المعنى الذي أفاده النهي. فإِرادهُ تثبيت النبي (- صلى الله عليه وسلم -) ، أَو الوعيد، أو التهديد أَو التنبيه من أَجل الاحتراز كلُّها مفردات تحمل الدلالة ذاتها لإسلوب النهي في إِفادته معنى التحذير من مثل هذا العمل. ومما ورد في الذكر الحكيم من النهي عن اتخاذ شركاء مع الله سبحانه قولُه تعالى: (( وَقَالَ اللَّهُ لاَ تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِي ) )النحل/ 51. وأنت تلاحظ الآية الكريمة حذّرت من اتخاذ الهين وأمرت باتخاذ الإِله الواحد وهو الله جلّت قدرتُه. وفي هذا المقام سؤالُ يفرضُ نفسه، الا وهو ما السببُ في ذكر العدد اثنين؟ أَجاب الفخرُ الرازي عن

(1) ينظر: مفتاح العلوم، لأبي يعقوب يوسف بن ابي بكر السكاكي، مصطفى البابي الحلبي، مصر، ط1،1937م:152 - 153، علم المعاني 39، جواهر البلاغة في المعاني والبيان والبديع: احمد الهاشمي، دار احياء التراث العربي، بيروت، لبنان، ط12،55، أساليب الطلب عند النحويين والبلاغيين 487 - 488.

(2) ينظر: الكشاف 2/ 561.

(3) مجمع البيان في تفسير القرآن 6/ 32، 19/ 140.

(4) روح المعاني 13/ 244.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت