الصفحة 246 من 301

هذا السؤال بقوله: (( إِنَّ الشيء إِذا كان مستنكرًا مستقبحًا، وأُريد المبالغة في التنفير عنه عُبِّر عنه بعبارات كثيرةٍ؛ ليصيرَ توالي تلك العبارات سببًا لوقوف العقل على ما فيه من القبح. فالمقصودُ بقوله (( لاتتخذوا إِلهين اثنين (( المقصودُ منه تكرير تأكيد التنفير عنه ) ) [1] من هذا يتّضحُ أَنَّ التعبير بالهين اثنين يُضفي القوّةَ والشدةَ على التحذير الذي أَفاده النهي. ومن النهي عن الإِشراك بالله قولُه تعالى: (( لاَ تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا ) )الاسراء 22. أَفاد عدد من المفسرين أَنَّ الآية الكريمة تخاطب النبي (- صلى الله عليه وسلم -) والمراد أُمتهُ [2] . فقوله تعالى (لاتجعل) اُريد منه التنبيه لما أَراده الله سبحانه للإِنسان حتى يُحذّره من الابتعاد عن رحمته [3] . وقد ذهب سيد قطب الى المعنى ذاتهِ إذ قال في الآية محل البحث: (( النهيُ عن الشرك والتحذير من عاقبته ) ) [4] . أَمَّ العاقبةُ التي تنتظرُ من خالف التحذير فقد ذكرها تعالى بقوله: (( مذمومًا مخذولا ) )لقد أَوضح صاحبُ لباب التأويل معنى هذه العاقبة بقوله: (( فمعناه أن يذكر له أَنَّ الفعل الذي أَقدمَ عليه قبيح ومنكر، فهذا يعني كونه مذمومًا، ثم يُقال: لِمَ فعلت هذا الفعلَ القبيح وما الذي حملك عليه؟ وهذا هو اللوم،( ... ) ، والمخذول هو الضعيف الذي لا ناصرَ له )) [5] ولا يخفى عليك من هذه المعاني شدة العاقبة التي ترتبت على مخالفة التحذير، فكما الذنب قويُ شديدُ كانت عاقبتهُ قوّيةَ شديدةً مؤثرةً في النفس الإِنسانية. ومن هذه المعاني قولُه تعالى: (( فَلاَ تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنْ الْمُعَذَّبِينَ ) )الشعراء/ 214. جاء النهي في الآية المباركة عن الإِشراك بالله تعالى، وفي هذا النهي من القوة والشدة ما لا يخفى لا سيما أَنَّ الخطاب موجّهُ إلى النبي (- صلى الله عليه وسلم -) والمرادُ غيرُه. لقد أَوضح الفخر الرازي (ت 606هـ) في تفسيره لهذه الآية الأَهميّة من توجيه الخطاب للنبي (- صلى الله عليه وسلم -) وارادةُ غيرِهِ به بقوله: (( إِنَّ من شأن الحكيم إِذا أَراد أَن يُؤَّكدّ خطابَ

(1) التفسير الكبير 20/ 47.

(2) ينظر: التبيان في تفسير القرآن 15/ 464، الجامع لأَحكام القرآن 10/ 236، روح المعاني 15/ 52، تفسير المراعي 15/ 33.

(3) ينظر: أنوار التنزيل وأسرار التأويل 1/ 406.

(4) في ظلال القرآن 15/ 25.

(5) لباب التأويل 3/ 175.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت