الصفحة 249 من 301

لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ )) البقرة 168. يُلاحظ أَنَّ الآية المباركة نهت عن اتباع خطوات الشيطان. لقد رأى عدد من المفسرين النهي في قوله تعالى: (( لا تتبعوا ) )أَفاد التحذير. قال الفخر الرازي (ت 606هـ) : (( إحْذَرْ أَن تتعداه إِلى ما يدعوك إليه الشيطان، وزُجِرَ المكلَّفُ بهذا الكلام عن تخطّي الحلال إلى الشُّبَه( ... ) ، ثُمَّ بَيّنَ العلَّة في هذا التحذير، وهو كونه عدوًّا مبينًا، أَي: متظاهر بالعداوة )) [1] . وقد تابع القرطبي (ت 671هـ) سابقه على هذا المعنى عند تفسيره للآية محل البحث، إذ قال: (( الواجبُ على العاقل أَن يأَخذ حذره من هذا العدو الذي أَبان عداوته من زمنِ آدم. فقد أَمر تعالى بالحذر منه، فقال جلَّ من قائل: (( ولا تتبعوا خطوات الشيطان إِنّه لكم عدوُ مبين ) ( ... ) وهذا غايةُ في التحذير )) [2] . والى مثل هذا المعنى ذهب السيد عبد الأَعلى الموسوي السبزواري إِذ قال: (( الحذرُ منه(الشيطان) ومخالفته بكلِّ وجهٍ أَمكن، ( ... ) ومن إِخباره تعالى بأنَّ الشيطان عدوُ للإِنسان وإِيكال الأَمر إلى الفطرة يُستفاد غاية التحذير، والسعي في الابتعاد عنه )) [3] . ومن أُسلوب النهي الذي حُذّر به من الشيطان قولُه تعالى: (( يَابَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمْ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنْ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ ) )الأَعراف 27. رأى عدد من المفسّرين أَنَّ النهي في الآية المباركة وهو قولُه تعالى: (( لا يفتننكم ) )أَفاد التحذير من الشيطان، ولم يكتفِ أَحدُ المفسرين بتصريحهِ أَنَّ النهي أَفاد التحذير بل جعله اكثر بلاغةً وإِيحاءً بالشدة، إذ قال: (( وإِنَّما صحَّ أَن يُنهى الإنسان بصيغة النهي عن الشيطان؛ لأَنّه أَبلغُ في التحذير من حيث يقتضي أن يطلبنا بالمكروه، ويقصدُنا بالعداوة، فالنهي له يدخل فيه النهي لنا عن ترك التحذير منه ) ) [4] . وقد تابع الفخر الرازي (ت606هـ) سابقه في هذا إِذ قال: (( حَذَر أَولادَ آدم من قبول وسوسة الشيطان فقال: (( يابني آدم لا يفتننكم ) ) ( ... ) فبهذا الطريق حذّر تعالى بني آدم بالاحتراز عن

(1) التفسير الكبير 5/ 4.

(2) الجامع لأَحكام القرآن 2/ 209.

(3) مواهب الرحمن في تفسير القرآن 2/ 317.

(4) مجمع البيان في تفسير القرآن 4/ 409، ينظر: الجامع لأحكام القرآن 7/ 186، تفسير القرآن العظيم 2/ 199.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت