وسوسة الشيطان، فقال: (( لا يفتننكم ) ) [1] يتضحُ من هذا أَنَّ الرازي أَشار إلى طريقة التحذير وهي النهي إِذ ذكر (( فبهذا الطريق حَذّرَ تعالى بني آدم بالاحتراز ) )وأَيُّ طريقٍ، وأَيُّ أُسلوب اعِتمدته الآية المباركة إلاَّ أُسلوب النهي؟ ومثل هذا ما ذهب اليه ابنُ كثير (ت 774هـ) في الآية محل البحث إِذ قال: (( يُحذّرُ تعالى بني آدم من إبليس وقبيله مبيّنًا لهم عداوته القديمة والتسبب في هتك عورتهِ بعدما كانت مستورة ) ) [2] . وحين اجتمعت كلمةُ المفسرين على أَنَّ النهي أَفاد التحذير نرى إِجماعًا آخر وهو أَنَّ التحذير في الآية المباركة قد عُلِلَ، قال الزمخشري (ت538هـ) : (( إنه يراكم هو وقبيله، تعليل للنهي، وتحذيرُ من فتنتهِ ) ) [3] . ولم يكُ تعليل التحذير في الآية المباركة موجودًا فحسب بل التأكيدُ كان له وجودُ ايضًا قال الفخر الرازي (ت606هـ) في قوله تعالى: (( ينزع عنهما لباسهما ) ): (( تأكيد التحذير لبني آدم؛ لأَنَّه لما بَلَغَ تأثير وسوسة الشيطان في حَقِّ آدم مع جلالة قدرهِ الى هذا الحد فكيف يكون حال آحاد الخلق؟ ) ) [4] ولما عُلِلَ التحذيرُ وأُوكّدّ أصبح أَكثر قوةً مما لو لم يُعللْ ويؤكّد.
ويطالعُنا من المعنى ذاته قولُه تعالى: (( وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا، إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ وَلاَ يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا، يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنْ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا، يَاأَبَتِ لاَ تَعْبُدْ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَانِ عَصِيًّا ) )مريم / 43. وأنت تلاحظ في الآية الكريمة النهي بقوله: (لا تعبد) جاء لإِفادة الزجر حتى لا يخرج المخاطب الى المنهى عنه، كما يُفيد النصح من عبادة الشيطان [5] . لو تأملت المعاني التي سبقت النهي لَلاَحظت فيها من التنبيه، والنصح والإِرشاد ما لا يخفى، فقوله تعالى: (( ياأبت لم تعبد ما لايسمع ولا يُبصر ولا يغني عنك شيئًا ) )تنبيهُ على
(1) التفسير الكبير 14/ 53، ينظر: البرهان في علوم القرآن 2/ 259.
(2) تفسير القرآن العظيم 2/ 213.
(3) الكشاف 2/ 98، ينظر: التفسير الكبير 14/ 53.
(4) التفسير الكبير 14/ 53.
(5) ينظر: التبيان في تفسير القرآن 16/ 129.