أَن الإِله ينبغي أن تتوافر فيه هذه الأُمور ليكون العبد آمنًا من الوقوع في الغلط [1] . وكأَنَّ إِبراهيم -عليه وعلى نبينا وآله السلام- قيل أَن يُحذّر أَباه بإسلوب النهي عمد إلى أُسلوب آخر يستدعي به شد الأَذهان والانتباه. ومن كلام للرازي في بيان المعنى الذي أَفاده النهي في الآية محل البحث قال: (( أَمّا هذا الكلام فيجري مجرى التخويف والتحذير الذي حمله على النظر في تلك الدلالة ) ) [2] أي: دلالة عبادة الشيطان التي تؤدّي إِلى التهلكة. وقد طاف الآلوسي (ت 1270 هـ) في رحاب المعنى ذاته اذ ذكر أَنَّ النهي أَفاد التنبيه، كما أََنَّه جاء مؤكدًا بقوله تعالى: (( إِنَّ الشيطان كان للرحمن عصيا ) ) [3] ومما رآه الآلوسي يكون التحذير أََشدَّ لهجةً؛ لكونه مؤكدًا. وما يزال الباحثُ مع مواضع الذكر الحكيم التي حَذّرت من الشيطان الرجيم حتى يطالعُه قولُه تعالى: (( فَلاَ تَغُرَّنَّكُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ، إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا ) )فاطر 5 - 6 لقد أَشار عدد من العلماء إِلى أَنَّ الغرور عُنِي به الشيطان أو الدنيا [4] . وسواء أَعُني بالغرور الشيطان أَم الدنيا فالتحذيرُ منهما في الآية المباركة مما لايخفى فتحذيرُ بإسلوب النهي، وآخر بإَثبات العدواة للشيطان. قال صاحبُ مجمع البيان في الآية محل البحث: (( إِنّه سبحانه وتعالى حذّرهم الشيطان ) ) [5] . أَمّا الآلوسي (ت1270هـ) فقد ذهب إلى ما ذهب إليه سابقوه في تفسيره للغرور مشيرًا إلى الفائدة التي أَفادها تكرار النهي في الآية الكريمة، قال: (( وتكريرُ فعل النهي للمبالغة فيه،( ... ) كونوا على حذرٍ منه في مجاميع أَحوالكم )) [6] . ومن المواضع التي حُذِّر فيها من الشيطان وقد وُجِّه التحذير فيها لآدم -عليه السلام- قولُه تعالى: (( فَقُلْنَا يَاآدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنْ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى ) )طه 117. وأنت تلاحظ
(1) ينظر: التفسير الكبير 21/ 224.
(2) المصدر نفسه 21/ 224.
(3) ينظر: روح المعاني 16/ 97.
(4) ينظر: اعراب القرآن، للنحاس 2/ 685 - 686، التبيان في تفسير القرآن 22/ 413، الجامع لأَحكام القرآن 14/ 324.
(5) مجمع البيان في تفسير القرآن 8/ 41.
(6) روح المعاني 22/ 168.