عاتقه نقض هذه النظرية وتحطيم مقولةِ أُستاذه في المناسبة بين الإِسم والمسمّى [1] . أَمَّا العلماءُ العرب فقد كان لهم الأثر الرائد في هذا المجال لاسيما في لغتهم الغرّاء لو تدبّرت العينَ تلاحظ صاحبه أَقام جسرًا من العلاقة بين اللفظ ودلالته، فتلاحظه يضاعف أحرف الكلمة لمضاعفة المعنى وامتداده [2] . أَمّا سيبويه فقد تابع أُستاذه على هذا وربط بين الصوت والمعنى، أَو بين اللفظ والمدلول، ومن الأَمثلة التي ذكرها، مصدر فعلان، وما في أَلفاظهِ من دلالة على الحركة والاضطراب [3] . لقد كانت هاتان الإِشارتان - إِشارةُ الخليل وسيبويه- بمثابة الضوء الأَخضر الذي فتح الباب على مصراعيه لمن جاء بعدهما. فهذا اِبنُ جني يُعَدُّ من أَكثر اللغويين المتحمسين لفكرة الصلة بين اللفظ والمدلول. فقد بسط القولَ وأَخذ يُفصّل دقائقَ هذه النظرية متلمّسًا الصلةَ في ما يعرض له من ظواهر صوتية معتمدًا حذقه في التصرف الناجم عن دقَّةِ النظر في الأصوات وجرس الحروف الذي طُبعَ في ذهنه لطول مخالطتهِ وكثرة تعامله مع الحروف [4] . أَمّا اِبنُ دريد (223 - 321هـ) فقد وضع كتابه الاشْتقاق على أَساس هذه النظرية كتعليله لاسماء الأَعلام والقبائل في الجزيرة العربية وبيانه لمعاني الاشتقاقات [5] . وقد تابع المحدثون السابقين على هذا وكتبوا فيه وأَقاموا الروابط بين الصوت ودلالته. فهذا إِبراهيم أنيس يقول: (( الدلالةُ المعنويةُ تُسْتَمَدْ من
(1) يُنظر: منطق ارسطو: تحقيق: عبد الرحمن بدوي، ترجمة اسحق بن حفين مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1948: 1/ 60.
(2) يُنظر: كتاب العين 7/ 82.
(3) يُنظر: كتاب سيبويه، لأَبي بشر عمرو بن عثمان بن قنبر، تحقيق وشرح: عبد السلام محمد هارون، عالم الكتب، بيروت، 1975م:2/ 218.
(4) يُنظر: الخصائص، لأَبي الفتح عثمان بن جني، تحقيق: محمد علي النجار، مطبعة دار الكتب المصرية، القاهرة، ط2. 1374هـ، 1955م، 2/ 133، 133، 139، 145، 152، 168، 146، 3:24.
(5) يُنظر: الاشتقاق، محمد بن الحسين بن دريد الأزدي (223 - 321هـ) تحقيق عبد السلام محمد هارون، السنة المحمديّة، الناشر مؤسسة الخانجي، مصر. المكتب التجاري، بيروت، مكتبة المثنى ببغداد، 1378/ 1958. ص176، 536، الصاحبي في فقه اللغة وسفن العرب في كلامها، أحمد بن فارس، تحقيق: مصطفى الشويمي، مؤسسة أ. بدران للطباعة والنشر، بيروت، 1963: 98 - 99.