الصفحة 253 من 301

تابع السيد عبد الأَعلى السبزواري الموسوي سابقيه في هذا إِذ بيّن سبب اختصاص النهي بالقرب دون الأَكل بقوله: (( كنايةُ عن كثرة الاهتمام بترك المنهي عنه، فكأَنه تعالى نهى عن الاِقتراب منه فضلًا عن ارتكابه( ... ) ، فيكون محصّل المعنى التأكيد والمبالغة في ترك الأَكل من الشجرة )) [1] . ومن هذا المعنى قوله تعالى: (( وَيَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنْ الظَّالِمِينَ ) )الاعراف 19. أشار المفسرون إلى أَنَّ النهي في قوله تعالى: (( ولا تقربا ) )أَفاد المبالغة في النهي والتشديد عليه [2] . وما قيل في الآية السابقة يمكن أَن يقال في هذه الآية. ومن الآيات التي حملت هذا المعنى ما جاء في الذكر الحكيم من نهي عن اقتراب المعاصي، قال تعالى (( تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ) )البقرة 187. وأنت تلاحظ الآية المباركة نهت عن اقتراب الحدود والدنو منها، قال الرازي (ت 606هـ) (( بُولغ في ذلك فنهى أَن يقرب الحد الذي هو الحاجز بين حيّز الحق والباطل ) ) [3] . من هذا يتضحُ أَنَّ الرازي رأى مبالغةً في النهي؛ لأَنَّ الآية نهت عن الاقتراب من تلك الحدود فكيف ارتكابها؟ وإلى مثل هذا المعنى ذهب الآلوسي إذ قال: (( النهي عن القرب من تلك الحدود التي هي الأَحكام كناية عن النهي عن قرب الباطل بطريق الكناية التي هي أَبلغ من الصريح ) ) [4] . أَمّا السيد عبد الأَعلى السبزواري الموسوي فلم يكُ بمنأى عن هذه المعاني إذ قال: (( النهي عن الاِقتراب اليها كنايةُ عن مخالفتها، عَبّر عنها بالاقتراب لشدة الحيطة ومبالغة في التحذير، فإِنَّ من قَرَبَ من شيء أَوشك أن يتعدّاه ) ) [5] . ومن المعنى ذاته يطالعُك قوله تعالى: (( تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ ) )البقرة 229. وأنت تُلاحظ الآية الكريمة نهت عن تعدّي حدودَ الله واتبعت ذلك النهي بالوعيد لإِضفاء الشدة

(1) مواهب الرحمن في تفسير القرآن 1/ 206.

(2) ينظر: التفسير الكبير 14/ 43، روح المعاني 8/ 98، الميزان 8/ 34.

(3) التفسير الكبير 5/ 126.

(4) روح المعاني 2/ 69.

(5) مواهب الرحمن في تفسير القرآن 3/ 85.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت