الصفحة 33 من 301

من القولين السابقين يتضح أَنَّ صاحبيهما قد اتفقا على مخارج الألف واللام والميم، ولمّا كانت مخارج تلك الأَحرف تبدأ من الأَعمق -الرئة-، الى المتوسط - اللسان-، والأخير - الشفتين. عدّت نائبةً عن الحروف الأُخر، إلا أَنَّ الزركشي كما رأينا ذهب الى أَبعد من هذا، فحين نظر الى مخارج الأَحروف وهي تتمثلُ بالأعمق والأوسط والأخير كوَّنَ رابطةً بين تلك المخارج وبين ما ذُكِرَ في السورة من بدايةِ الخلق وأوسطهِ ونهايتهِ، وكأَنَّ تاريخ الخلق قد مُهِّد له بهذه الأحرف. أمَّا البيضاوي (ت 791هـ) فقد أَعطى الأَلفَ واللامَ والميمَ دلالةً أَخرى تتضحُ من قراءةِ قوله: (( الأَلفُ من أَقصى الحلق، وهو مبدأ المخارج، واللامُ من طرف اللسان، وهو من أَوسطها، والميمُ من الشفةِ، وهو آخرُها، جُمِعَ بينها إيماءً الى أَنَّ العبَد ينبغي أَنْ يكون أَولُ كلامهِ وأَوسطهِ وآخرهِ ذكرُ اللهِ تعالى ) ) [1] . وكذلك الحال بالنسبةِ الى الأَحروف الأُخر التي اُفتُتحِت بها بعضُ السور، فلو أَنعمت النظر في سورةِ الأَعرافِ التي افْتُتحِتْ بالأَحرفِ السابقة الذكر مضافًا اليها الصاد (( تجد أَنَّ مضمونَ السورةِ جامعُ لمضامين هذه الأحرف. والحالُ نفسُها بالنسبة الى سورة الرعدِ التي افْتتُحِتْ بالألف واللام والميم والراء ) ) [2] . وأنت حين تقرأ سورة الرعد تُلاحظ التكرارَ الملحوظ لحرفِ الراءِ متحرّكًا أَحيانًا، وساكنًا أَحيانًا أخُر، ويرد في سياق بيان قدرةَ الله -عزَّ وجل- وعظمته، وتارةً في سياق الإِنذار والترهيب، ولاسيما أَنَّ اسم السورة اسمُ لشيءٍ مُخيف يبدأ اسمهُ بحرف الراء وهو (رَعْد) إنَّ مخرجَ هذا الحرف كما قاله بعضُ الصوتيين إِنهَّ لفظُ طرقاتِ اللسانِ على اللثةِ [3] . وإذا أُجيز لي الجمع بين الدلالتين، (دلالةُ الألفِ واللامِ والميم التي ذكرتُها قبل قليل وبين دلالة مخرجِ الراء) اتضح مدى توافق هذه الأحرف (الأَلف واللام والميم والراء) لما ورد في السورة. وكأَنها (معاني السورة) طرقاتُ في أُذنِ سامعها. والحالُ نفسها الى باقي الأحرف في فواتح السور، فهذه الأَحرف تحملُ من الميزات ما لايشاركُها غيرها فيها. قال الزركشي ت (749هـ) : (( تأمّلْ اقتران الطاء بالسين، والهاء في

(1) أَنوار التنزيل وأَسرار التأويل 1/ 45.

(2) الميزان في تفسير القرآن 18/ 8.

(3) يُنظر: علم اللغة، مقدمة للقارئ العربي، الدكتور محمود السعران، اُستاذ مساعد بكلية الآداب، جامعة الاسكندرية، دار المعارف، مصر، 1962. 87.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت