سادسًا: الافتتاح بالاستفهام
قال تعالى (( هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ ) )الغاشية 1، وقال تعالى: (( أَلَمْ تَرَى كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ ) )الفيل 1، وقال تعالى: (( أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ ) )الماعون 1.
إِذا تدبّرت معاني هذه الآيات وجدتها تفيد التهديد والوعيد، وجاء ذلك التهديد والوعيد بسياق أَشدَّ ما يكون مثيرًا ملفتًا للاهتمام، وهذا ما أحدثه الاستفهام الذي تصدّر الآيات. وهو (( تعبيرُ يوحي بلذع العذاب وفضاعتهِ ) ) [1] .
لو أَنعمت النظر في الآيات التي سبقت هذه الفواتح رأيت هذه الفواتح امتدادًا لما سبقها من قول، ففي سورة الفيل مثلًا يأتي الاستفهام الذي أَفاد التعجّب من الحادث والتنبيه الى دلالته العظيمة، فيورد الله القصّة لغرض العبرة والتذكير بها لما تضمنته سورة الهمزة التي سبقت الفيل من اغترار بالمال، يتبعه اغترار أَصحاب الفيل بكثرتهم، وكانت النهاية كالعصف المأكول [2] ، فكما بداية السورة استفهام أَفاد التعجب كانت النهاية تثير التعجّب، ولا عجبَ من قدرة الله.
الدلالة الصوتية لاسماء القيامة
اختار اللهُ جلَّتْ قدرتُه لكتابهِ العزيز الأَلفاظ الأكثر فخامةً والأَعظم وقعًا في النفس، مما يجعُلك تستوحي من تركيبها الصوتي مدى شدتها، وتستنتج أَهميتها وأحقيتها بالتلبثِ والرَّصد والتفكر. لقد سمّى القرآنُ الكريم الكائنَ الواحد والأَمرَ المرتقب اسماءٍ متعددةٍ ذاتِ صيغةٍ واحدةٍ على نسقٍ صوتي متجانسٍ للدلالة بمجموعة مقاطعهِ على مضمونهِ، وبصوتيتهِ على كُنْهِ معناه، تأمّلْ هذه الأَلفاظ (( الحاقة، الطَّامة، الصّاخة، القارعة ) )تلاحظ أَنّها متقاربةُ الصدى في إِطار الفاعل المتمكّن، وضعها لنا عبد الكريم الخطيب (ت651هـ) بقوله: (( أَصواتُ صارخةُ، مدمدمهُ، تُثيرُ الهول والفزعَ. بما تبعثُ من نُذُرِ الهلاكِ، والدَّمارِ، وما تحملُ من صُورِ الانقلابات الهائلةِ المروّعة( ... ) تكادُ هذه الكلمات
(1) المرجع نفسه 3/ 154.
(2) ينظر: البرهان في تناسب سور القرآن 240.