الصفحة 38 من 301

تطرقُ الآذان حتى تنطبعَ في كيان سامعها انطباعًا؛ لتناغم كلماتها، وتوازنِ آياتها، وتقابل معانيها، فإذا هي في كلِّ فم، وفي كلِّ بيت غناءُ وحداءُ. إِنَّها طلقاتُ راعدةُ، مدمدمةُ، مزلزلةُ، تملأُ الآفاقُ رُعبًا وفزعًا )) [1] . ما يقربُ من هذا قول أحد الباحثين المعاصرين فقد قال: (( هذه الصيغةُ الفريدةُ تهزّكُ من الأَعماقِ ويبعثك صوتُها من الجذور، الصدى الصوتي، والوزن المتراص، والسكتُ على هائه أوتائهِ القصيرة، يعبُّر عما ورائهِ من شؤونٍ، وعوالمٍ، وعِظاتٍ، وعِبرٍ، ومتغيّرات ) ) [2] . وإذا أَعدنا معًا النظرَ في الألفاظ (الّحاقةُ، الطامةُ، الصّاخة، القارعةُ) وما قيل في تركيب أصواتها، وإيقاعها الموسيقي يتبادرُ الى أَذهاننا أَنَّ هناك أمرًا عظيمًا أُعِدّت لأَجلهِ هذه التراكيب، وأَنَّ هناك علاقةُ وثيقة بين هذه الالفاظ ودلالاتها. فلنتأملْ معًا ما قاله المفسرون واللغويون في معاني هذه الأَلفاظ حتى تكون الصورة أَكثر جلاءً.

أولًا: قال تعالى: (( الْحَاقَّةُ، مَا الْحَاقَّةُ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ ) )الحاقة1 - 3.

الحاقةُ: الواجبةُ، حَقَّ، اي وَجَبَ، ويَحقُّ حقًّا وحقوقًا فهو حاق. وسُمّيت القيامةُ الحاقةُ لأَنَّها تحقُّ الكفّار [3] . اما الراغب الأصفهاني (ت502هـ) فقال: (( الحاقةُ: إِشارةُ إِلى القيامة، لأنّه يحقُّ فيها الجزاء ) ) [4] ، في حين رأى ابنُ منظور (ت711هـ) (( الحاقةُ: النازلة وهي الداهيةُ العظيمة ايضًا. الحقّة الداهيةُ. والحاقةُ: القيامةُ ) ) [5] . من الأقوال السابقة يتبيّن أَنَّ الحاقة اسمُ من اسماء القيامة، لأَنَّ فيها يتحقق الوعدُ والوعيد، ولهذا عظَّم اللهُ شأنها، ولها (الحاقة) من المزّية الصوتية، والجرس والإِيقاع هما لايخفى، فالحاقةُ (( بلفظها، وجرسها، ومعناها، تُلقي في الحسِّ معنى الجدِّ والصّرامة، والحقِّ والاستقرار. وإِيقاع اللفظ بذاتهِ أَشبه برفع الثُقلِ طويلًا ثم استقرارهِ مكيّفًا، ورفعُهُ في مدّةِ الحاء بالألف، وجددُه في

(1) اعجاز القرآن، عبد الكريم الخطيب، الكتاب الثاني، 51.

(2) الصوت اللغوي في القرآن 171.

(3) اعراب القرآن، للنحاس، تحقيق: زهير غازي زاهد، مطبعة العاني، بغداد، 1980م: 3/ 495.

(4) المفردات في غريب القرآن: الحسين بن محمد الراغب الأصفهاني، تحقيق: محمد سيد كيلاني، مصطفى البابي، مصر، 1381: 125.

(5) لسان العرب 10/ 53 - 54.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت