قال الراغبُ الاصفهاني (ت 502هـ) : (( الغاشيةُ: كنايةُ عن القيامة ) ) [1] أمّا الزمخشري (ت 538هـ) فقد ذكر (( الغاشية: الداهيةُ التي تُغشي الناسَ بشدائدها وتُلبسهم أَهوالها، وتعني القيامة ) ) [2] . وقد ذهب ابن منظور الى المعنى نفسه إذ رأى الغاشية: هي القيامة وسببُ تسميتها بذلك لأَنَّها تغشي الخلقَ بإفزاعهِا. ولم يقف في ترجمتهِ للغاشية عند القيامة فحسب بل أَعطاها معنى آخرُّ وهو النارُ؛ لأَنَّها تغشى وجوه الكفّار [3] . ومهما يكن اختلاف المعاني إلاَّ أنَها في النتيجة واحدةُ، فكلُّ من القيامة، والداهية، والنار تعني الشدّة والهولِ. لو تأملّتَ مادة الكلمة تجدها من (غ ش ى) وتلاحظ حرفيها الأَول والثاني (الغين والشين) مشتركين بصفة واحدةٍ هي الرخاوة، فالحرفان كلاهما من الحروف الرخوة [4] وأَحد هذين الحرفين من حروف التفشّي والانتشار وهو الشينُ حيث تجد الصوتَ جاريًا معه [5] والحرف الثالث الأَلف من أحرف المد الذي يأخذ مجراه المستمر خلال الحلق والفم وخلال الأنف معهما أَحيانًا دون أن يعترضَهُ مقطعُ يُثنيِه أَو يُضيّقَ مجراه [6] ، فالشين تُفيد التفشّي والانتشار. والألف يأَخذ مجراه دون أَيِّ اعتراض وكأَنَّ هذين الحرفين صِيغا في لفظ (غشى) ليُفيدا معنى القيامة أو النار اللتين إذا جاءتا عمّت الخلائق كلَّها دون اعتراض أَي معترض. لقد ربط الدكتور محمد حسين علي الصغير بين الغاشيةِ وما سبقها من أَلفاظ كالواقعةِ، والآزفة، والراجفة، فقد قال: (( ما أَقربَ هذا المناخ المفزع والأُفق الرهيب لمناخ القارعة، والواقعة، والآزفة، والراجفة! إِنَّه منطقُ واحدُ في صيغةٍ واحدةٍ، وصدى هائلُ تجتمعُ فيه الأَهوالُ، وصوتُ حافلُ تتساقط حولَه المصاعبُ، وتتفّرقُ فيه الأَلفاظ لتدلُ في الأَحوال كلِّها على حقيقة قادمة ) ) [7] .
(1) المفردات في غريب القرآن 361.
(2) الكشاف: أبو القاسم جار الله محمود الزمخشري، وبذيله اربعة كتب: لابن المنير، والعسقلاني، والمرزوقي، وللشيخ محمد عليان، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، 1947م: 4/ 246.
(3) يُنظر: لسان العرب 19/ 362.
(4) يُنظر: الدراسات اللهجية والصوتية عند ابن جني 315.
(5) ينظر: دروس في علم اصوات العربية-جان كانتنيفو، تعريب: صالح القرمادي، تونس 1966: 35.
(6) ينظر: علم اللغة للسعران 160.
(7) الصوت اللغوي في القرآن 176.