الصفحة 77 من 301

الفعل الماضي مرةً أخرى ليبيّنَ ما يفعله من أُسْكِنَ النار، قال تعالى: (( ونادى اصحابُ النار أصحاب الجنّة أن افيضوا علينا من الماء ومما رزقكم الله قالوا إِنَّ الله حرّمهما على الكافرين ) )الأَعراف 50، لقد جاء الفعل (نادى) بصيغة الماضي ليبيّنَ مشهدًا من مشاهد القيامةِ (( فيه أَعظم الهول و الزجر؛ لما يتصوّر من الحال فيه، كما أَنَّها تقدم صورة للبصر تجعله يُدرك وعيد الله بالنار والعقاب ) ) [1] . ومن استعمال الماضي في الحديث عن يوم القيامة قوله تعالى: (( وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ ) )ابراهيم 21. في الآية الكريمة وُظِّفَ الفعل الماضي (برزوا) لإفادة (يبرزون) حتى يكون المعنى أَبلغ وأكثر وقعًا، لما فيه من إشعار بوقوع الأَمر [2] . إِذا قرأت أول سورة النحل تجد فعلًا ماضيًا قد وُظّفَ توظيفِ سابقه ليدلَّ على المستقبل، قال تعالى: (( أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ ) )النحل 1، وأنت تلاحظ الآية المباركة تُخبر عن يوم القيامة، وجعلتْ ذلك الإِخبار بصيغة الفعل الماضي (أَتى) ، قال النّحاس (ت 338هـ) : (( أتى بمعنى قرب جعله مجازًا، ويكون أَتى بمعنى يأتي ) ) [3] . ويطالعنا مثل ذلك في سورة الكهف، قوله تعالى: (( وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا ) )الكهف 47. قال الزركشي (ت749هـ) : (( عَبَّر عن الحشر بالماضي وهو مستقبل، لاستحضار صورته ) ) [4] . ومنه أيضًا قوله تعالى: (( وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ ) )النمل 87. قال الفخر الرازي (ت606هـ) : (( إِعلمْ أَنَّه لما قال: فَفُزِعَ، ولم يقل: فيفزعُ للإِشعار بتحقيق الفزع وثبوته، وأَنَّه كائنُ لا محالة؛ لأَنَّ الفعل الماضي يدلُّ على وجود الفعل، وكونه مقطوعًا به [5] . وإِلى مثل هذا ذهب اِبنُ الأَثير(ت 637هـ) : إذ قال: (( إِنما قال:

(1) التبيان في تفسير القرآن 8/ 446.

(2) يُنظر: البرهان في علوم القرآن 3/ 337.

(3) اعراب القرآن 2/ 205.

(4) البرهان في تفسير القرآن 3/ 337.

(5) التفسير الكبير 24/ 220.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت