فَفُزِعَ، بلفظ الماضي بعد قوله: (يُنفخ) وهو مستقبل للإشعار بتحقيق الفزع، وأَنَّه كائنُ لا محالةَ؛ لأَنَّ الفعل الماضي يدلُّ على وجود الفعل وكونه مقطوعًا به )) [1] . من خلال ما سبق يتبيّنُ أَنَّ صيغة فَعَلَ، قد واكبت ذكر يوم القيامة في القرآن الكريم في الكثير من المواضع لما لها من أَثرٍ كبير في إثبات الحالة وَجَعْلِ المستقبل ماضيًا لتأكيد وقوعه الذي لابَّد منه. وفي كلامٍ لابن الأَثير (ت637هـ) يُبيّن فيه سببَ ذلك بقوله: (( إنَّ الفعلَ الماضي إِذا أُخبِرَ به عن الفعل المستقبل الذي لم يُوجدْ بعد ذلك، كان أَبلغ وأكثر في تحقق الفعل وإيجاده؛ لأَنَّ الفعل الماضي يُعطي من المعنى أَنَّه قد كان ووُجِدَ، وإِنَّما يُفْعَلُ ذلك إَذا الفعلُ المستقبل من الأَشياء التي يُستعظمُ وجودُها، وإِنَّ الغرضَ من ذلك تبيين هيئة الفعل، واسِتحضار صورتهِ، ليكون السامعُ كأَنَّه يُشاهدها، والغرضُ بهذا هو الدلالة على إيجاد الفعل الذي لم يوجد ) ) [2] . وقد تابع الزركشي (ت749هـ) سابقه على هذا إذ قال: (( والفائدةُ في الفعل الماضي إِذا أُخْبِرَ به عن المستقبل الذي لم يُوجدْ، أَنَّه ابلغُ وأعظمُ موقعًا لتنزيله منزلة الواقع، والفائدةُ في المستقبل إِذا أخبر به في الماضي يتبيّنُ هيئة الفعل باستحضار صورتهِ، ليكون السامع كأنّه شاهده ) ) [3] . من النّصين السابقين يتبيّن التقارب بين الرأيين إذ اتفقا على أَنَّ استعمال الماضي يُفيد استحضار الصورة عند المخاطب، ويجَعْل الأَمر كأَنَّه قد وقع وشاهدُهُ المخاطب، ويُعْمَدُ الى هذا حين يكون الأَمر عظيمًا، ولا يومَ أعظم من يوم القيامة، كما أَنَّ الإنسان حين يكون قد شاهد أمرًا مخيفًا في الماضي عليه أن يحذره ويخافه مستقبلًا، وعلى هذا حين يكون يوم القيامة قد وقع في الماضي وشُوهِدَت أَحداثُهُ، فالبشرُ سيخافونه ويحذرونه اكثر؛ لما رأوا من اهوال فيه.
اختيار صيغة يَفْعَلُ
مما لايخفى على أحد أَنَّ القرآن الكريم استعمل الفعل المضارع بصيغه المختلفة في مواضعَ كثيرةٍ. كما أَنَّ هناك آيات مباركة عمدت الى اسْتخدام هذه الصيغة دون غيرها
(1) المثلُ السائر، لأبن الأَثير، تقديم وتحقيق: أحمد الحوفي، بدوي طبانة، مطبعة النهضة، مصر، ط1، 1379هـ: 2/ 190.
(2) المثل السائر 2/ 189 - 190.
(3) البرهان في علوم القرآن 3/ 337.