على الرغم من أَنَّ السياق الذي جاءت فيه اعتمد صيغًا غير صيغة المضارع الا أَنَّ السياق القرآني، اختار المضارع لفائدةٍ تتضحُ بعد أَنَّ نتأمّل معًا بعض الشواهد وما قيل فيها. قال تعالى: (( وإذا لقوا اللذين آمنوا قالوا آمنا، وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إِنَّا معكم إِنما نحن مستهزؤن اللهُ يستهزئُ بهم ويمدُّهم في طغيانهم يعمهون ) )البقرة 14 - 15. الآية الاولى توضّح ما قاله المنافقون. والثانية توضّح إِخبار الله عنهم، الأَولُ جاء بصيغة إِسم الفاعل (مستهزؤن) ، أَمَّا إخبارُ الله عنهم جاء بصيغة المضارع (يستهزئ) ولم يرد بصيغة اسم الفاعل، لقد أَوضح الزمخشري (ت 538هـ) سر هذا الاختيار بقوله: (( اللهُ يستهزئ بهم، يكون طبقًا لقولهم إِنما نحن مستهزؤن، قلتُ: لأَنَّ يستهزئُ يُفيدُ حدوثَ الاستهزاء وتجددَه وقتًا بعد وقت، وهكذا كانت نكايات الله فيهم، وبلاياه النازلة بهم ) ) [1] . وقد تابع الفخر الرازي (ت 606هـ) سابقة على هذا قائلًا: (( اللهُ يستهزئُ الفائدة فيه إِنَّ يستهزئُ يُفيدُ حدوثَ الاستهزاء وتجدّدَه وقتًا بعد وقت، وهكذا كانت نكايات اللهِ فيهم، وهذا استئناف في غايةِ الجزالة والفخامة، وفيه أَنَّ الله تعالى هو الذي يستهزئ بهم استهزاء العظيم الذي يصيُر استهزاؤه في مُقابلهِ كالعدم ) ) [2] . من هذا يتضح أَنَّ الفعل المضارع (يستهزئُ) اُختير في هذا المقام؛ لما له من أَهمية في سياق الوعيد، إذ أَنَّ استهزاء الله بالمنافقين سيبقى مستمرًا في كلِّ زمانٍ ومكان ما دام استهزاؤهم قائمًا. ثم يطالعنا قولُه تعالى في سورة البقرة: (( أفكلّمّا جاءكم رسولُ بما لا تهوى أنفسكم ففريقًا كذّبتم وفريقًا تقتلون ) )البقرة 87. تلاحظ التعبيرَ عن الكذب جاء بصيغةِ الماضي. أَمَّا فِعْلُ القتل جاء بصيغة المضارع، فما هو السر في اختيار الفعل المضارع دون سواه في هذا المقام؟ هذا السؤال قد أورده الفخر الرازي وأجاب عنه فقد قال: (( فلقائلٍ أَن يقولَ: هلاّ قيل: وفريقًا قتلتم؟ وجوابهُ في وجهين: أَحدُهما: أَنْ يُراد الحال الماضية؛ لأَنَّ الأَمر فضيع فأُريدَ استحضاره في النفوس، وتصويُره في القلوب. الثاني: أَنْ يُراد، فريقًا تقتلونهم بعد، لأَنّكم حاولتم قتلَ محمد (( - صلى الله عليه وسلم - ) )) [3] . أمَّا
(1) الكشاف 1/ 35.
(2) التفسير الكبير 2/ 70.
(3) المصدر نفسه 2/ 178 ..