التجدد والحدوث [1] والحدثُ هو تجرّد الفعل لصاحب الصفة مقيّدًا ببعض
الأزمنة [2] . وكأَنَّ التعبير بصيغة اسم الفاعل في هذه الآيات جاء مكررًا للإشارة الى أَنَّ هذه الصفات التي تحملها الملائكة مما يتجدد ويتكرر حدوثهُا بتعاقب الأَيام، وفيها من الآيات والعظات مما يذكر بها أولوا الألباب. وتُفيد صيغةُ اسم الفاعل في هذه المواضع بيان تجرّد الملائكة عن أَي شيء وبقائها منتظرةً إِشارة أَمْرِ ربِّها في انِتزاع أَرواح الناس أَو إِنزال العذاب أَو غير ذلك. والحالُ نَفْسُها بالنسبة إِلى الإِخبار عن يوم القيامة، فلو تأمّلت قوله تعالى: (( الراجفة والرادفة ) )في النازعات 6و7، تظهر دلالة اسم الفاعل في هذين الموضعين لا لإفادة معنى التجدد فحسب، وإِنما يظهرُ فيهما معنى الثبوت، وكذلك الحال في قوله تعالى: (( الحاقة(الحاقة/1) ، الصاخة (عبس/ 33) ، القارعة (القارعة/1) ، الآزفة (المؤمن/ 18) ، الواقعة (الواقعة/1) ، الغاشية (الغاشية/1 ) )). فاضطرابُ القلب وخشوع الأَبصار لا ينقطع حتى يتصوّر فيه معنى التجدد، ومن ثمَّ فإن الدلالة الرئيسة لاسم الفاعل في هذه المقاطع إِنما هي للدلالة على ثبوت نسبة تلك الأَوصاف لليوم الآخر ثبوتًا مؤكَّدًا، ومن ثمَّ تستطيع أَن تقف على دور صيغة اسم الفاعل في هذه المواضع وقد قسمَّ توظيفها على الوجه الذي هو أحسن لكي تدلَّ الصيغة الواحدة (صيغة اسم الفاعل) . بما جمعت من دلالات التجدد، والثبوت على تلك الحالة المقصودة، وهي حالة القيامة. (( كأَنَّ التعبير باسم الفاعل إنّما هو بمثابة مفتاح التعقل والتدبّر لتلك المقابلة، بين المتغيّر المدلول عليه باسم الفاعل، والثابت المدلول عليه باليوم الآخر ) ) [3] .
ومن مواضع مجيء صيغة اسم الفاعل في سياق الوعيد، قوله تعالى: (( فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ ) ) (القمر/ 42) . فقد اختار تعالى صيغة اسم الفاعل في قوله (مقتدر) ؛ لتتوافق مع شدة الوعيد التي جاءت في الموضع، ولم يَخْتَر (قادر) مع أَنَّه اسم فاعل
(1) ينظر: الخصائص 3/ 103، الايضاح في شرح المفصل لأبن الحاجب النحوي، تحقيق وتقديم: الدكتور موسى نباي العليلي، مطبعة العاني، بغداد، 9821: 1/ 644.
(2) ينظر: الصرف الوافي، للكتور هادي نهر، مطبعة التعليم العالي، الموصل، 1989م: 90.
(3) الاعجاز الصرفي في القرآن 241.