أَيضًا، إِلاَّ أَنَّ (( مقتدر اسمُ فاعل من اقتدر، وهو أَبلغُ من قادر، وذلك للدلالة على تفخيم الأَمر وشدّة الأَخذ، الذي لا يصدرُ إلاَّ عن قوّة الغضب، أَو للدلالة على بسطهِ القوة، فإِنَّ المقتدر أَبلغ في البسطةِ من القادر، لأَنَّ القادر اسم فاعل من قدر على وزن فَعَلَ، ولا شك أَنَّ أْفَعَلَ أَبْلغ من فَعَلَ ) ) [1] .
ومن اختيار صيغة اسم الفاعل بدلالة صيغة الفعل، قوله تعالى (( يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون الا أنفسهم وما يشعرون ) ) (البقرة/9) هذه الآيةُ الكريمة توضحُ ما يفعله المنافقون وقد بيّن الله فعلهم بقوله: (يخادعون) فقد جاء القولُ (( مُخَاْدَعَة بزنة مُفَاْعَلَة ) ) [2] والمعنى الذي تدلُّ عليه هذه الصيغة هو التشارك بين اثنين فأكثر، وهو أَن يفعل أحدُهما بصاحبه فعلًا بمثلهِ [3] فحينئذٍ يُنْسَبُ للبادي نسبة الفاعلية، وللمقابل نسبة المفعولية. وإذا نقلت هذا المعنى إلى (يخادعون) فهل يتوافق معه؟ أَي إِنَّ عملية الخداع تتم بين الموصوفِين وبين الله، فيكونُ أحدُهم خادعًا، والثاني مخدوعًا. هذا ما أَجاب عنه الشيخ الطوسي (ت460هـ) بقوله: (( مُفَاْعَلَة، وإِنْ كانت تكون بين اثنين من كل واحد منهما لصاحبه مثل ضاربت، وقاتلتُ، وغيرُ ذلك، فقد ورد هذا الوزن(فَاْعِل) بمعنى فَعَلَ مثل: قَاْتَلَهُ الله )) [4] . وإِلى مثل هذا ذهب الطبرسي (ت548هـ) وذلك بقوله: (( يخادعون الله، أَي: يعملون عمل المخادع؛ لأَنَّ الله لا يصحُّ أَن يخادعه من يعرفه، ويعلم أَنَّه لا تخفى عليه خافية، وهذا كما تقول لمن يزيّف لنفسهِ ما يشوبه بالرياء في معاملته: ما أجهله يخادع الله وهو أَعلمُ به من نفسه! أي: يعملُ عمل المخادع ) ) [5] . وعلى هذا ستكون المخادعة حاملةً من الوعيد مما لا يخفى فذلك الشخص الذي يعمل عمل المخادع لا يضرُّ الله شيئًا، ويرجع خداعهُ عليه. وما أَشدُّ من يؤذي نفسه بنفسه بعد أَن يعلم ذلك؟ وقد ذهب المفسرون
(1) المثل السائر 2/ 250.
(2) التبيان في تفسير القرآن 1/ 69.
(3) ينظر: كتاب تندا العرف في فن الصرف. الشيخ احمد الحملاوي، مطبعة الراية، بغداد: 43.
(4) التبيان في تفسير القرآن 1/ 69.
(5) مجمع البيان في تفسير القرآن 1/ 46.