إِثباتها بأَن واللام، واسْتخدام حرف الجر (في) الدال على انغماسه في الضلال وإحاطته به فضلًا عن ادِّعاء ذلك الضلال بيّنًا واضحًا، ( ... ) فلما كانت الرؤية الكاذبة مبالغًا فيها ناسب هذا السياق أَن يُبالغ في وصف هؤلاء المكذبين بوصف مقابل لذلك بطريقة أَبْلغ مما يقتضي إِثبات العمى لهم بصيغة دالة على الثبات واللزوم، فناسب ما هم عليه من انطماس بصائرهم )) [1] . من هذا القول يتضحُ أَنَّ الكافرين حين كان ادِّعاؤهم قويًّا قابل الله تعالى ذلك الادِّعاء بوعيد قوي مؤثِّر يبقى ثابتًا بمن ينزلُ فيه، فاختيار الصفة المشبهة (عمي) تُفيد ملازمة وثبوت العمى عقابًا على ما ادّعوه. وهذا ما وَجّهَهُ اللغويون والمفسرون، إلا أَنَّك تلاحظُ توجيهًا آخرَ لمعنى الصفة المشبهة في الآية الكريمة. قال الفخر الرازي (ت 606هـ) : (( يُقال رجلُ عمُ في البصيرة، وأَعمى في البصر ) ) [2] . إِلاَّ أَنَّه لم يغفلْ دلالة الصفة على الثبوت وهذا ما صرّح به بقوله: (( ولاشكَّ أَنَّ عماهم كان راسخًا ) ) [3] . وقد تابع السيد الطباطبائي سابقه على دلالة الصفة المشبهة على عمي البصيرة وذلك بقوله: (( عمِينَ جمْعُ عمَي، وهي صفةُ مشبهة من عَمِي يعمى، عميُ كالأعمى، إلاَّ أَنَّ العمى يختصُّ بعمى البصيرة، والأَعمى بعمى البصر ) ) [4] . وذهب الأُستاذ المراغي إِلى مثل هذا بقوله: (( وهذه الصفةُ المشبهة(عمي) لعمي البصائر )) [5] . لو جَمعْتَ المعنيين اللذين نصَّ عليهما المفسرون وهما:
الثبوت، وعمي البصيرة لأَصبحَ الوعيدُ الذي توعّدَ الله تعالى به الكافرين أَكثر إِيحاءً بالقوّة والشّدة وهذا جزاءُ على ما ارتكبوه. ثم يطالعنا قوله تعالى: (( وأخذنا اللذين ظلموا بعذابٍ بئس بما كانوا يفسقون ) )الأعراف 165. قرأ عاصم (بئَيس) بفتح الهمزة [6] . وعلى هذه القراءة تكون
(1) الاعجاز الصرفي في القرآن 105.
(2) التفسير الكبير 14/ 153.
(3) المصدرُ نفسهُ 14/ 153.
(4) الميزان في تفسير القرآن 8/ 176.
(5) تفسير المراغي، أحمد مصطفى المراغي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، ط3/ 1974: 8/ 191.
(6) يُنظر: السبعة في القراءات، لابن مجاهد، تحقيق: الدكتور شوقي ضيف، دار المعارف، مصر، 1972: 269 - 297.