لاسيما إذا كانت على وزن (فَعِلة) [1] . فالثبوتُ والمبالغةُ يتوافقان مع إِثبات ما أَعده اللهُ لمكذبيّ أَنبيائه -عليهم السلام- لامحالة، كما أَنَّ هذين المعنيين (الثبوت والمبالغة) يتوافقان مع أَجواء يوم القيامة لتشديد هولهِ عند سامعهِ. والحال نفسها بالنسبة للعظام التي أَصبح النخرُ ملازمًا لها وبُولِغَ فيه، ومع ذلك فإنَّ خالق هذه العظام قادرُ على إرجاعها سيرتها الأولى، وهذه المعاني تتوافق مع سياق التخويف.
اختيار الصيغة الدّالة على المبالغة
اختار القرآنُ الكريم صيغة المبالغة في مواضع عِدَّة، وكان لهذا الاختيار غرضُ تُفيده الصيغة الدالة على المبالغة أكثر من إِفادة سواها. ومما لايخفى أَنَّ للصيغة الدالة على المبالغة أوزانًا عدّة الا أَنَّ الباحث يقتصر في هذا الموضع على بعض الصيغ مما تجلّت فيه المبالغة في الأَفعال والاسماء التي اُسْتُعْمِلت في سياق التحذير والتخويف ومن تلك المواضع ما جاء في قصّة النبي يوسف عليه وعلى نبينا وآله السلام، قال تعالى: (( وراودتهُ التي هو في بيتها وغلَّقت الأَبواب ) )يوسف 23. إذا انعمت النظرَ في قولهِ: (غلَّقت) تلاحظ الفعلَ (غلَّق) على وزن (فَعَّلَ) ومعنى هذه الصيغة التكثير والمبالغة [2] ، فما هو السبب الذي يكمن وراء استعمال الصيغة الدالة على المبالغة دون غيرها في هذا السياق؟ قال الفخر الرازي: (( وجاءت هذه الصيغةُ معبّرةً عن كثرة الأَبواب التي غُلِّقت، وكثرة التغليق، وإحكامهِ والمبالغة فيه، والسببُ أَنَّ ذلك العملَ لا يؤتى به إلاّ في الموضع المستور، لاسيما إذا كان العملُ حرامًا، ومع قيام الخوف الشديد ) ) [3] . وإِلى ما يقربُ من هذا ذهب الرضي فقد رأى اختيار صيغة (فَعَّلَ) في هذا الموضع دون (أفْعَلَ) ؛ لأَنَّ الأولى تأتي للتكثير [4] . من خلال الرأيين السابقين يتّضحُ أَنَّ استعمال صيغة المبالغة عَبَّر عن كثرة الغلق، ويمكن أن يُضاف اليه الإحكام في الغلق، وهذا ما يقتضيه المحل، فالصيغة
(1) ينظر: الاعجاز الصرفي في القرآن 174.
(2) ينظر: الممتع في التصريف لابن عصفور الأَشبيلي، تحقيق: فخر الدين قباوة، الدار العربية للكتاب، تونس، ط5، 1983م: 1/ 189. و الصرف الواضح، د. عبد الجبار علوان النايلة، مطبعة دار الكتاب، الموصل، 1988م: 100.
(3) التفسير الكبير 9/ 21.
(4) ينظر: شرح الشافية 1/ 92.