الدالة على المبالغة أقربُ إِلى واقع الحال الذي يُحيط به الخوف نتيجة العمل المحذور المحُاوَلُ فعله. وتطالعنا هذه الصيغة في موضع آخر من الكتاب العزيز، قال تعالى: (( وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ ) )القمر 12. وهذه الآية تبين العذاب الذي أُنزل على قوم نوح عليه وعلى نبينا وآله السلام واختير لبيان غضب الله عليهم الفعل (فَجرّ) على وزن (فَعّلَ) الذي يفيد المبالغة. قال الرازي (ت606هـ) : (( فجّرنا، أي: كأَنَّ الأَرض كلها صارت عيونًا تتفجر ) ) [1] . وما يقرب من هذا قول الآلوسي (ت 1270هـ) إذ قال في الآية محل البحث: (( جعلنا الأَرض كلَّها عيونًا، كأنها عيونُ تتفجر، وأَصلُهُ فجرّنا عيون الأَرض فغيّرَ من التمييز إلى المبالغة، بجعل الأَرض كُلَّها متفجرّةً، مع الإِيهام والتفسير ) ) [2] . ففي هذا الموضع كان لاختبار الصيغة الدالة على المبالغة أَثرُه في الإِيحاء بأَنَّ الأَرض كلَّها أَصبحت بحرًا ولا ملجأ منه الا الى تلك السفينة المباركة. ومن صيغة (فَعَّل) ما جاءت في وصف النار، قوله تعالى: (( وإذا الجحيمُ سُعِّرت ) )التكوير 12. فقد اختار تعالى الصيغة الدالة على المبالغة (سُعِّرت) وشدد الكلمة؛ وذلك لأَنَّ الجحيم شُدِدت عليهم [3] . وقد ذهب الطبرسي (ت 548هـ) الى ما يقرب من هذا إذ قال: (( سُعِّرت، تُفيد تهييج النار حتى تتأجج وصارت نارًا تضطرم ) ) [4] . أَمَّا الفخر الرازي فقد نحا النحو ذاته إذ رأى أَنَّ تعالى حين شدد (سُعّرتْ) أَراد منه الدلالة على الإِيقاد الشديد. والتشديدُ في التّسعير من غضب الله [5] . ومن صيغ المبالغة التي وردت في سياق التخويف قولُه تعالى على لسان فرعون: (( قَالَ لِلْمَلإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ، يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ، قَالُوا أَرْجِهِ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ، يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ ) )الشعراء 34 - 37. لو أَنعمت النظر في قوله: (ساحر) تجد أَنها وردت بصيغة اسم الفاعل
(1) التفسير الكبير 31/ 11.
(2) روح المعاني 27/ 82.
(3) يُنظر: معاني القرآن للفرّاء 2/ 530.
(4) مجمع البيان 10/ 443 - 444.
(5) ينظر: التفسير الكبير 31/ 70.