الصفحة 92 من 301

كما وردت بصيغة المبالغة (فَعّال) إذ قال تعالى: (سحّار) ، فما هو السبب في اختيار صيغة اسم الفاعل مرةً والمبالغةَ مرةً أخرى؟ إِذا علمتَ أَنَّ قوله: (ساحر) هي من جملة ما قاله فرعون مخبرًا بها عن موسى-عليه وعلى نبينا السلام-، وأما صيغة المبالغة (سحّار) هي جواب الملأ لفرعون حين استشارهم يتبين لك أَنَّ الملأ (( جاءوا بكلمة الإحاطة وبصيغة المبالغة ليطيّبوا قلبه وليُسكنوا بعضَ قلقه ) ) [1] . من هذا يتضح أَنَّ فرعون كان خائفًا حين خاطب قومَه يطلب مشورتهم لمواجهة موسى (ع) فأجابوه بما يتوافق مع إِزالة الخوف، لذا اختاروا (سحّار) . ولم يقف المفسرون عند هذا فقط بل أضافوا اليه معنى آخر إذ رأوا لما كان الأَمر المحذور هو إِخراج موسى لهم من أرضهم، وهذا الأَمر عظيم كبير بالنسبةِ لهم لذا قابلوا ذلك بقولهم: (سحَّار) حتى يكون له من القوة والتأثير لإِبطالِ عمل موسى [2] ، ثمَّ يطالعنا قوله تعالى في ذِكْر شراب أهل النار: (( جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ، هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ ) )ص/56 - 57، وقال تعالى: لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلاَ شَرَابًا، إِلاَّ حَمِيمًا وَغَسَّاقًا )) النبأ/24 - 25. فقد ذكر الله سبحانه شرابهم بقوله (غسّاق) وهذا اللفظ لم يرد في القرآن الكريم الا في هذين الموضعين [3] . قال الرازي: (( غسَّاق بالتشديد، فعّال، بمعنى: سَيّال ) ) [4] ، هاتان الآيتان تُصوّران العطش والحرمان من الماء على أَنهما وسيلتان من وسائل التعذيب التي يعاني منها المجرمون يوم القيامة، والعربي الذي عاش في الجزيرة العربية وعانى قسوة العطش يستطيع أن يستوعب معنى حرمان المجرمين في النار من الماء ثم إغاثتهم بـ (غسّاق) . وهذه الصورة التي تجعل الغسَّاق شرابًا لأهل النار، تُذكرُ الناس وتنذرهم قبل أن يحلَّ ذلك اليوم [5] . ومن شراب اهل النار الى النار ينتقلُ الوزن نفسه، قال تعالى: (( كلا

(1) المصدر نفسه 24/ 132.

(2) ينظر: مسائل الرازي وأجوبتها من غرائب آي التنزيل، للرازي، مطبعة مصطفى البابي الحلبي: 97. والتفسير الكبير 24/ 132، وروح المعاني 9/ 22 - 23.

(3) ينظر: المعجم المفهرس 498.

(4) التفسير الكبير 31/ 15.

(5) ينظر: التطور الدلالي بين لغة الشعر الجاهلي ولغة القرآن الكريم، دراسة دلالية مقارنة، رسالة ماجستير للباحث عودة خليل ابو عودة، اشراف د. كمال محمد بشر: 434 - 435.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت