عَبْدِ الْعَزِيزِ الدراوردي أَنَّهُ قَالَ لَهُ فِي مَسْأَلَةِ تَقْدِيرِ الْمَهْرِ بِنِصَابِ السَّرِقَةِ: تعرقت يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَيْ: صِرْت فِيهَا إلَى قَوْلِ أَهْلِ الْعِرَاقِ الَّذِينَ يُقَدِّرُونَ أَقَلَّ الْمَهْرِ بِنِصَابِ السَّرِقَةِ لَكِنَّ النِّصَابَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ . وَأَمَّا مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَد فَالنِّصَابُ عِنْدَهُمْ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ ؛ أَوْ رُبُعُ دِينَارٍ كَمَا جَاءَتْ بِذَلِكَ الْأَحَادِيثُ الصِّحَاحُ . فَيُقَالُ: أَوَّلًا: إنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْحِكَايَةِ تَدُلُّ عَلَى ضَعْفِ أَقَاوِيلِ أَهْلِ الْعِرَاقِ عِنْدَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ؛ وَإِنَّهُمْ كَانُوا يَكْرَهُونَ لِلرَّجُلِ أَنْ يُوَافِقَهُمْ وَهَذَا مَشْهُورٌ عِنْدَهُمْ يَعِيبُونَ الرَّجُلَ بِذَلِكَ كَمَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ لَمَّا اسْتَفْتَاهُ عَنْ دَمِ الْبَعُوضِ وَكَمَا قَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ لِرَبِيعَةَ لَمَّا سَأَلَهُ عَنْ عَقْلِ أَصَابِعِ الْمَرْأَةِ . وَأَمَّا ثَانِيًا: فَمِثْلُ هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ قَلِيلٌ جِدًّا وَمَا مِنْ عَالِمٍ إلَّا وَلَهُ مَا يُرَدُّ عَلَيْهِ وَمَا أَحْسَنَ مَا قَالَ ابْنُ خويز منداد فِي مَسْأَلَةِ بَيْعِ كُتُبِ الرَّأْيِ وَالْإِجَارَةِ عَلَيْهَا: لَا فَرْقَ عِنْدَنَا بَيْنَ رَأْيِ صَاحِبِنَا مَالِكٍ وَغَيْرِهِ فِي هَذَا الْحُكْمِ ؛ لَكِنَّهُ أَقَلُّ خَطَأً مِنْ غَيْرِهِ . وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَأَكْثَرُهُ نَجِدُ مَالِكًا قَدْ قَالَ بِهِ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَإِنَّمَا تَرَكَهُ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ كَمَسْأَلَةِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ عِنْدَ الرُّكُوعِ وَالرَّفْعِ مِنْهُ . وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ رَوَوْا عَنْ مَالِكٍ الرَّفْعَ مُوَافِقًا لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي رَوَاهُ ؛ لَكِنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ وَنَحْوَهُ مِنْ الْبَصْرِيِّينَ هَمّ الَّذِينَ قَالُوا بِالرِّوَايَةِ الْأُولَى وَمَعْلُومٌ أَنَّ مُدَوَّنَةَ ابْنِ الْقَاسِمِ أَصْلُهَا مَسَائِلُ أَسَدِ بْنِ الْفُرَاتِ الَّتِي فَرَّعَهَا أَهْلُ الْعِرَاقِ ثُمَّ سَأَلَ عَنْهَا أَسَدٌ ابْنَ الْقَاسِمِ . فَأَجَابَهُ بِالنَّقْلِ عَنْ مَالِكٍ وَتَارَةً بِالْقِيَاسِ عَلَى قَوْلِهِ ثُمَّ أَصْلُهَا فِي رِوَايَةِ سحنون فَلِهَذَا يَقَعُ فِي كَلَامِ ابْنِ الْقَاسِمِ طَائِفَةٌ مِنْ الْمَيْلِ إلَى أَقْوَالِ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْ أُصُولِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ . ثُمَّ اتَّفَقَ أَنَّهُ لَمَّا انْتَشَرَ مَذْهَبُ مَالِكٍ بِالْأَنْدَلُسِ وَكَانَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَامِلَ الْأَنْدَلُسِ وَالْوُلَاةُ يَسْتَشِيرُونَهُ فَكَانُوا يَأْمُرُونَ الْقُضَاةَ أَنْ لَا يَقْضُوا إلَّا بِرِوَايَتِهِ عَنْ مَالِكٍ ثُمَّ رِوَايَةِ غَيْرِهِ فَانْتَشَرَتْ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ لِأَجْلِ مَنْ عَمِلَ بِهَا وَقَدْ تَكُونُ مَرْجُوحَةً فِي الْمَذْهَبِ وَعَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالسُّنَّةِ حَتَّى صَارُوا يَتْرُكُونَ رِوَايَةَ الْمُوَطَّأِ الَّذِي هُوَ مُتَوَاتِرٌ عَنْ مَالِكٍ وَمَا زَالَ يُحَدِّثُ بِهِ إلَى أَنْ مَاتَ لِرِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْمَالِكِيَّةِ أَنْكَرُوا ذَلِكَ فَمِثْلُ هَذَا إنْ كَانَ فِيهِ عَيْبٌ فَإِنَّمَا هُوَ عَلَى مَنْ نَقَلَ ذَلِكَ لَا عَلَى مَالِكٍ وَيُمْكِنُ الْمُتَّبِعُ لِمَذْهَبِهِ أَنْ يَتْبَعَ السُّنَّةَ فِي عَامَّةِ الْأُمُورِ ؛ إذْ قَلَّ مِنْ سُنَّةٍ إلَّا وَلَهُ قَوْلٌ يُوَافِقُهَا بِخِلَافِ كَثِيرٍ مِنْ مَذْهَبِ أَهْلِ الْكُوفَةِ ؛ فَإِنَّهُمْ كَثِيرًا مَا يُخَالِفُونَ السُّنَّةَ وَإِنْ لَمْ يَتَعَمَّدُوا ذَلِكَ .