فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 52

وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَنْ كَانَ بِالْمَدِينَةِ مِنْ الصَّحَابَةِ هُمْ خِيَارُ الصَّحَابَةِ إذْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا أَحَدٌ قَبْلَ الْفِتْنَةِ إلَّا وَأَقَامَ بِهَا مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ فَإِنَّهُ لَمَّا فُتِحَ الشَّامُ وَالْعِرَاقُ وَغَيْرُهُمَا أَرْسَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إلَى الْأَمْصَارِ مَنْ يُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ فَذَهَبَ إلَى الْعِرَاقِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَحُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ وَعِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ وَسَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ وَغَيْرُهُمْ . وَذَهَبَ إلَى الشَّامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وعبادة بْنُ الصَّامِتِ وَأَبُو الدَّرْدَاءِ وَبِلَالُ بْنُ رَبَاحٍ وَأَمْثَالُهُمْ . وَبَقِيَ عِنْدَهُ مِثْلُ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَمِثْلُ أبي بْنِ كَعْبٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ مسلمة وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَغَيْرِهِمْ . وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ - وَهُوَ أَعْلَمُ مَنْ كَانَ بِالْعِرَاقِ مِنْ الصَّحَابَةِ إذْ ذَاكَ - يُفْتِي بِالْفُتْيَا ثُمَّ يَأْتِي الْمَدِينَةَ فَيَسْأَلُ عُلَمَاءَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فَيَرُدُّونَهُ عَنْ قَوْلِهِ فَيَرْجِعُ إلَيْهِمْ كَمَا جَرَى فِي مَسْأَلَةِ أُمَّهَاتِ النِّسَاءِ لَمَّا ظَنَّ ابْنُ مَسْعُودٍ أَنَّ الشَّرْطَ فِيهَا وَفِي الرَّبِيبَةِ وَأَنَّهُ إذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ قَبْلَ الدُّخُولِ حَلَّتْ أُمُّهَا كَمَا تَحُلُّ ابْنَتُهَا فَلَمَّا جَاءَ إلَى الْمَدِينَةِ وَسَأَلَ عَنْ ذَلِكَ أَخْبَرَهُ عُلَمَاءُ الصَّحَابَةِ أَنَّ الشَّرْطَ فِي الرَّبِيبَةِ دُونَ الْأُمَّهَاتِ . فَرَجَعَ إلَى قَوْلِهِمْ وَأَمَرَ الرَّجُلَ بِفِرَاقِ امْرَأَتِهِ بَعْدَ مَا حَمَلَتْ . وَكَانَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ فِيمَا يَعْمَلُونَ: إمَّا أَنْ يَكُونَ سُنَّةً عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ وَإِمَّا أَنْ يَرْجِعُوا إلَى قَضَايَا عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَيُقَالُ: إنَّ مَالِكًا أَخَذَ جُلَّ الْمُوَطَّأِ عَنْ رَبِيعَةَ وَرَبِيعَةُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ؛ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ عَنْ عُمَرَ ؛ وَعُمَرُ مُحَدِّثٌ . وَفِي التِّرْمِذِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: { لَوْ لَمْ أُبْعَثْ فِيكُمْ لَبُعِثَ فِيكُمْ عُمَرُ } وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: { كَانَ فِي الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ مُحَدِّثُونَ فَإِنْ يَكُنْ فِي أُمَّتِي أَحَدٌ فَعُمَرُ } وَفِي السُّنَنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: { اقْتَدُوا بِاَللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي: أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ } . وَكَانَ عُمَرُ يُشَاوِرُ أَكَابِرَ الصَّحَابَةِ: كَعُثْمَانِ وَعَلِيٍّ وَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ ؛ وَسَعْدٍ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ ؛ وَهُمْ أَهْلُ الشُّورَى ؛ وَلِهَذَا قَالَ الشَّعْبِيُّ اُنْظُرُوا مَا قَضَى بِهِ عُمَرُ ؛ فَإِنَّهُ كَانَ يُشَاوَرُ . وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَا كَانَ يَقْضِي أَوْ يُفْتِي بِهِ عُمَرُ وَيُشَاوِرُ فِيهِ هَؤُلَاءِ أَرْجَحُ مِمَّا يَقْضِي أَوْ يُفْتِي بِهِ ابْنُ مَسْعُودٍ أَوْ نَحْوُهُ ؛ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ . وَكَانَ عُمَرُ فِي مَسَائِلِ الدِّينِ وَالْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ إنَّمَا يَتْبَعُ مَا قَضَى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ يُشَاوِرُ عَلِيًّا وَغَيْرَهُ مِنْ أَهْلِ الشُّورَى كَمَا شَاوَرَهُ فِي الْمُطَلَّقَةِ الْمُعْتَدَّةِ الرَّجْعِيَّةِ فِي الْمَرَضِ إذَا مَاتَ زَوْجُهَا: هَلْ تَرِثُ ؟ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ . فَلَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ وَحَصَلَتْ الْفِتْنَةُ وَالْفُرْقَةُ وَانْتَقَلَ عَلِيٌّ إلَى الْعِرَاقِ هُوَ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ لَمْ يَكُنْ بِالْمَدِينَةِ مَنْ هُوَ مِثْلُ هَؤُلَاءِ وَلَكِنْ كَانَ بِهَا مِنْ الصَّحَابَةِ مِثْلُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَأَبِي أَيُّوبَ ؛ وَمُحَمَّدِ بْنِ مسلمة ؛ وَأَمْثَالِهِمْ مَنْ هُوَ أَجَلُّ مِمَّنْ مَعَ عَلِيٍّ مِنْ الصَّحَابَةِ . فَأَعْلَمُ مَنْ كَانَ بِالْكُوفَةِ مِنْ الصَّحَابَةِ عَلِيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَعَلِيٌّ كَانَ بِالْمَدِينَةِ إذْ كَانَ بِهَا عُمَرُ وَعُثْمَانُ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَهُوَ نَائِبُ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَمَعْلُومٌ أَنَّ عَلِيًّا مَعَ هَؤُلَاءِ أَعْظَمُ عِلْمًا وَفَضْلًا مِنْ جَمِيعِ مَنْ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَلِهَذَا كَانَ الشَّافِعِيُّ يُنَاظِرُ بَعْضَ أَهْلِ الْعِرَاقِ فِي الْفِقْهِ مُحْتَجًّا عَلَى الْمُنَاظَرِ بِقَوْلِ عَلِيٍّ وَابْنِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت