ثُمَّ مَنْ تَدَبَّرَ أُصُولَ الْإِسْلَامِ وَقَوَاعِدَ الشَّرِيعَةِ وَجَدَ أُصُولَ مَالِكٍ وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ أَصَحَّ الْأُصُولِ وَالْقَوَاعِدِ وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَد وَغَيْرُهُمَا حَتَّى إنَّ الشَّافِعِيَّ لَمَّا نَاظَرَ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ حِينَ رَجَّحَ مُحَمَّدٌ لِصَاحِبِهِ عَلَى صَاحِبِ الشَّافِعِيِّ فَقَالَ لَهُ الشَّافِعِيُّ: بِالْإِنْصَافِ أَوْ بِالْمُكَابَرَةِ ؟ قَالَ لَهُ: بِالْإِنْصَافِ فَقَالَ: نَاشَدْتُك اللَّهَ صَاحِبُنَا أَعْلَمُ بِكِتَابِ اللَّهِ أَمْ صَاحِبُكُمْ ؟ فَقَالَ: بَلْ صَاحِبُكُمْ فَقَالَ صَاحِبُنَا أَعْلَمُ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْ صَاحِبُكُمْ ؟ فَقَالَ: بَلْ صَاحِبُكُمْ فَقَالَ: صَاحِبُنَا أَعْلَمُ بِأَقْوَالِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْ صَاحِبُكُمْ ؟ فَقَالَ: بَلْ صَاحِبُكُمْ فَقَالَ: مَا بَقِيَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إلَّا الْقِيَاسُ ؛ وَنَحْنُ نَقُولُ بِالْقِيَاسِ وَلَكِنْ مَنْ كَانَ بِالْأُصُولِ أَعْلَمَ كَانَ قِيَاسُهُ أَصَحَّ . وَقَالُوا لِلْإِمَامِ أَحْمَد: مَنْ أَعْلَمُ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَالِكٌ أَمْ سُفْيَانُ ؟ فَقَالَ: بَلْ مَالِكٌ . فَقِيلَ لَهُ: أَيُّمَا أَعْلَمُ بِآثَارِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَالِكٌ أَمْ سُفْيَانُ ؟ فَقَالَ: بَلْ مَالِكٌ . فَقِيلَ لَهُ: أَيُّمَا أَزْهَدُ مَالِكٌ أَمْ سُفْيَانُ ؟ فَقَالَ: هَذِهِ لَكُمْ . وَمَعْلُومٌ أَنَّ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ أَعْلَمُ أَهْلِ الْعِرَاقِ ذَلِكَ الْوَقْتَ بِالْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ ؛ فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ ؛ وَالثَّوْرِيَّ ؛ وَمُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ؛ وَالْحَسَنَ بْنَ صَالِحِ بْنِ جِنِّيٍّ ؛ وَشَرِيكَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ النخعي الْقَاضِي: كَانُوا مُتَقَارِبِينَ فِي الْعَصْرِ وَهُمْ أَئِمَّةُ فُقَهَاءِ الْكُوفَةِ فِي ذَلِكَ الْعَصْرِ وَكَانَ أَبُو يُوسُفَ يَتَفَقَّهُ أَوَّلًا عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى الْقَاضِي ثُمَّ إنَّهُ اجْتَمَعَ بِأَبِي حَنِيفَةَ فَرَأَى أَنَّهُ أَفْقَهُ مِنْهُ فَلَزِمَهُ وَصَنَّفَ كِتَابَ"اخْتِلَافِ أَبِي حَنِيفَةَ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى"وَأَخَذَهُ عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَنَقَلَهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَذَكَرَ فِيهِ اخْتِيَارَهُ وَهُوَ الْمُسَمَّى بِكِتَابِ"اخْتِلَافِ الْعِرَاقِيِّينَ". وَمَعْلُومٌ أَنَّ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ أَعْلَمُ هَذِهِ الطَّبَقَةِ فِي الْحَدِيثِ مَعَ تَقَدُّمِهِ فِي الْفِقْهِ وَالزُّهْدِ وَاَلَّذِينَ أَنْكَرُوا مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَغَيْرِهِمْ مَا أَنْكَرُوا مِنْ الرَّأْيِ الْمُحْدَثِ بِالْكُوفَةِ لَمْ يُنْكِرُوا ذَلِكَ عَلَى سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ بَلْ سُفْيَانُ عِنْدَهُمْ أَمَامُ الْعِرَاقِ فَتَفْضِيلُ أَحْمَد لِمَذْهَبِ مَالِكٍ عَلَى مَذْهَبِ سُفْيَانَ تَفْضِيلٌ لَهُ عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَد فِي عِلْمِهِ وَعِلْمِ مَالِكٍ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْآثَارِ مَا تَقَدَّمَ مَعَ أَنَّ أَحْمَد يُقَدِّمُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ عَلَى هَذِهِ الطَّبَقَةِ كُلِّهَا وَهُوَ يُعَظِّمُ سُفْيَانَ غَايَةَ التَّعْظِيمِ وَلَكِنَّهُ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ مَذْهَبَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَعُلَمَائِهَا أَقْرَبُ إلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِنْ مَذْهَبِ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَعُلَمَائِهَا . وَأَحْمَد كَانَ مُعْتَدِلًا عَالِمًا بِالْأُمُورِ يُعْطِي كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ ؛ وَلِهَذَا كَانَ يُحِبُّ الشَّافِعِيَّ وَيُثْنِي عَلَيْهِ وَيَدْعُو لَهُ وَيَذُبُّ عَنْهُ عِنْدَ مَنْ يَطْعَنُ فِي الشَّافِعِيِّ ؛ أَوْ مَنْ يَنْسُبُهُ إلَى بِدْعَةٍ وَيَذْكُرُ تَعْظِيمَهُ لِلسُّنَّةِ وَاتِّبَاعَهُ لَهَا وَمَعْرِفَتَهُ بِأُصُولِ الْفِقْهِ كَالنَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ ؛ وَالْمُجْمَلِ وَالْمُفَسَّرِ وَيُثْبِتُ خَبَرَ الْوَاحِدِ وَمُنَاظَرَتَهُ عَنْ مَذْهَبِ أَهْلِ الْحَدِيثِ مَنْ خَالَفَهُ بِالرَّأْيِ وَغَيْرَهُ . وَكَانَ الشَّافِعِيُّ يَقُولُ: سَمَّوْنِي بِبَغْدَادَ نَاصِرَ الْحَدِيثِ . وَمَنَاقِبُ الشَّافِعِيِّ وَاجْتِهَادُهُ فِي اتِّبَاعِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ؛ وَاجْتِهَادُهُ فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ يُخَالِفُ ذَلِكَ كَثِيرٌ جِدًّا وَهُوَ كَانَ عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ الْحِجَازِ وَكَانَ قَدْ تَفَقَّهَ عَلَى طَرِيقَةِ الْمَكِّيِّينَ أَصْحَابُ ابْنُ جريج كَمُسْلِمِ