فهرس الكتاب

الصفحة 105 من 138

ضبط النفس في ساعة القدرة والانتصار والغلبة، واستقبال الرخاء في تواضع وشكر، وبدون خيلاء وبدون اندفاع إلى الانتقام وتجاوز القصاص الحق إلى الاعتداء! والبقاء في السراء والضراء على صلة بالله، واستسلام لقدره، ورد الأمر إليه كله في طمأنينة وثقة وخشوع ··

والصبر على هذا كله - وعلى مثله - مما يصادف السالك في هذا الطريق الطويل ·· لا تصوره حقيقة الكلمات· فالكلمات لا تنقل المدلول الحقيقي لهذه المعاناة· إنما يدرك هذا المدلول من عانى مشقات الطريق، وتذوقها انفعالات وتجارب ومرارات!

والذين آمنوا كانوا قد ذاقوا جوانب كثيرة من ذلك المدلول الحقيقي· فكانوا أعرف بمذاق هذا النداء؛ كانوا يعرفون معنى الصبر الذي يطلب الله إليهم أن يزاولوه ·· والمصابرة ·· وهي مفاعلة من الصبر ·· مصابرة هذه المشاعر كلها، ومصابرة الأعداء الذين يحاولون جاهدين أن يفلوا من صبر المؤمنين ·· مصابرتها ومصابرتهم، فلا ينفد صبر المؤمنين على طول المجاهدة· بل يظلون أصبر من أعدائهم وأقوى: أعدائهم من كوامن الصدور، وأعدائهم من شرار الناس سواء· فكأنما هو رهان وسباق بينهم وبين أعدائهم، يدعون فيه إلى مقابلة الصبر بالصبر، والدفع بالدفع، والجهد بالجهد، والإصرار بالإصرار ·· ثم تكون لهم عاقبة الشوط بأن يكونوا أثبت وأصبر من الأعداء· وإذا كان الباطل يصر ويصبر ويمضي في الطريق، فما أجدر الحق أن يكون أشد إصرارًا وأعظم صبرًا على المضي في الطريق!

والمرابطة: الإقامة في مواقع الجهاد، وفي الثغور المعرضة لهجوم الأعداء ·· وقد كانت الجماعة المسلمة لا تغفل عيونها أبدًا، ولا تستسلم للرقاد! فما هادنها أعداؤها قط، منذ أن نوديت لحمل أعباء الدعوة، والتعرض بها للناس· وما يهادنها أعداؤها قط في أي زمان أو في أي مكان وما تستغني عن المرابطة للجهاد حيثما كانت إلى آخر الزمان!" (155) ا·هـ·"

والمواطن التي يحتاج الداعية والمجاهد أن يوطن نفسه فيها على الصبر كثيرة منها ما ذكره سيد قطب في النقل السابق، ومنها ما لم يذكره، ومن أهمها:

-الصبر على شهوات النفس ورغباتها وميلها إلى الراحة والترف والدعة·

-الصبر على ضعف النفس ونقصها وسرعة ملالها·

-الصبر على ضغوط الواقع وأذى الأعداء؛ فلا يتغلب اليأس ولا القنوط·

-الصبر على طول الطريق وشدة الابتلاء؛ فلا يدفع إلى العجلة والمواجهة قبل أوانها·

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت