ومن أجل هذا كان صف الصحابة رضي الله عنهم هو الصف المحصن الذي لم يخترق؛ وما ذاك إلا لكونهم القاعدة الصلبة الذين تعهدهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالتربية والتعليم وصقلتهم الشدائد والمحن؛ ولكونهم يملكون الموازين الشرعية الدقيقة في وزن الرجال، ومن أجل ذلك صعب على المنافقين اختراقهم، حيث لم يعرف أن أحدًا من المنافقين قد أسندت له مهمة قيادية سواء في السلم أو الحرب·
إن المراتب السابقة من مراتب الإعداد للجهاد في سبيل الله لا تعني أن تتوفر بتمامها في كل الأفراد، ولكن المطلوب توفرها بقوة في القاعدة الصلبة الذين هم قادة الناس وقدواتهم، وهم أصحاب التوجيه والتربية·
أما من سواهم فإنه يقبل منهم الحد الأدنى، ولا يتشدد معهم في توفر كل صفات المجاهدين فيهم· نعم لو اكتملت هذه الصفات في الجميع لكان هو الأفضل والمطلوب، لكن طبائع البشر وما يتعرضون له من ضعف وفتور تأبى ذلك·
ومع ذلك فتستمر التربية والتزكية، والمقصود الإشارة إلى أنه مع التأكيد على ضرورة التربية والإعداد إلا أن ذلك لا يعني أن لا يشارك في الدعوة والجهاد في سبيل الله تعالى عندما يفرض على الأمة إلا من ليس عليه ملاحظات أو هفوات، بل قد يخرج للجهاد من هو متلبس ببعض الذنوب وبعض ما يقدح في كمال إيمانه الواجب لكنه يجاهد نفسه على ترك ذلك، ويستمر النصح والتوجيه له في جميع الأوقات بل إنه قد يخرج صاحب البدعة التي دون الكفر مع المجاهدين إذا احتاج المسلمون إلى ذلك؛ كأن يهاجَمون في عقر دارهم وهم على قلة من العدد والعتاد·
ولو لم يخرج للجهاد في سبيل الله تعالى إلا الكمل من الناس لتعطل الجهاد وتسلط الكفار على المسلمين وساموهم سوء العذاب، ولا يخفى ما في ذلك من المفاسد العظيمة·
وكذلك من هم في موطن التوجيه والقدوة والمسؤولية؛ فمع أنه لا يسعهم ما يسع غيرهم ممن هم دونهم إلا أنهم ليسوا معصومين، وصدور بعض الهفوات أو الذنوب لا يقدح فيهم ولا ينقص من منزلتهم إذا كانت ذنوبًا طارئة يرجعون منها ويتوبون ولا يصرون·؛ قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ) (لأعراف:201) .