فهرس الكتاب

الصفحة 63 من 138

حقيقة هذه البيعة - أو هذه المبايعة كما سماها الله كرمًا منه وفضلًا وسماحة - أن الله - سبحانه - قد استخلص لنفسه أنفس المؤمنين وأموالهم؛ فلم يعد لهم منها شيء ·· لم يعد لهم أن يستبقوا منها بقية لا ينفقونها في سبيله، لم يعد لهم خيار في أن يبذلوا أو يمسكوا ·· كلا ·· إنها صفقة مشتراة، لشاريها أن يتصرف بها كما يشاء، وفق ما يفرض ووفق ما يحدد، وليس للبائع فيها من شيء سوى أن يمضي في الطريق المرسوم، لا يتلفت ولا يتخير، ولا يناقش ولا يجادل، ولا يقول إلا الطاعة والعمل والاستسلام ·· والثمن: هو الجنة ·· والطريق: هو الجهاد والقتل والقتال ·· والنهاية: هي النصر أو الاستشهاد ··· إن الحق لا بد أن ينطلق في طريقه، ولا بد أن يقف له الباطل في الطريق! بل لا بد أن يأخذ عليه الطريق إن دين الله لا بد أن ينطلق لتحرير البشر من العبودية للعباد وردهم إلى العبودية لله وحده، ولا بد أن يقف له الطاغوت في الطريق ·· بل لا بد أن يقطع عليه الطريق ·· ولا بد لدين الله أن ينطلق في"الأرض"كلها لتحرير"الإنسان"كله· ولا بد للحق أن يمضي في طريقه ولا ينثني عنه ليدع للباطل طريقًا! ·· وما دام في"الأرض"كفر· وما دام في"الأرض"باطل، وما دامت في"الأرض"عبودية لغير الله تذل كرامة"الإنسان"فالجهاد في سبيل الله ماض، والبيعة في عنق كل مؤمن تطالبه بالوفاء وإلا فليس بالإيمان،"ومن مات ولم يغزو ولم يحدث نفسه بغزو مات على شعبة من النفاق" (101) . ولكن الجهاد في سبيل الله ليس مجرد اندفاعة إلى القتال، إنما هو قمة تقوم على قاعدة من الإيمان المتمثل في مشاعر وشعائر وأخلاق وأعمال، والمؤمنون الذين عقد الله معهم البيعة، والذين تتمثل فيهم حقيقة الإيمان هم قوم تتمثل فيهم صفات إيمانية أصيلة: (التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ) (التوبة:112) . هذه هي الجماعة المؤمنة التي عقد الله معها بيعته، وهذه هي صفاتها ومميزاتها: توبة ترد العبد إلى الله، وتكفه عن الذنب، وتدفعه إلى العمل الصالح· وعبادة تصله بالله وتجعل الله معبوده وغايته ووجهته· وحمد لله على السراء والضراء نتيجة الاستسلام الكامل لله والثقة المطلقة برحمته وعدله· وسياحة في ملكوت الله مع آيات الله الناطقة في الكون الدالة على الحكمة والحق في تصميم الخلق· وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر يتجاوز صلاح الذات إلى إصلاح العباد والحياة· وحفظ لحدود الله يرد عنها العادين والمضيعين، ويصونها من التهجم والانتهاك·

هذه هي الجماعة المؤمنة التي بايعها الله على الجنة، واشترى منها الأنفس والأموال، لتمضي مع سنة الله الجارية منذ كان دين الله ورسله ورسالاته؛ قتال في سبيل الله لإعلاء كلمة الله، وقتل لأعداء الله الذين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت