لاشك أن الاستعداد والتأهب للحرب قبل أن تقع من أساسيات هذا الدين، كما قال الله تعالى: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم} .
وأمر تعالى بالإنفاق في سبيله، ولأجل الجهاد فقال: {وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون} ، وقال تعالى: {وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} ، فترك الإنفاق في سبيل الله، وعدم الاستعداد للحرب باتخاذ العدة اللازمة للنصر تهلكة للنفس، وتهلكة للجماعة، والدعوة إلى الجهاد في التوجيهات القرآنية والنبوية تلازمها في الأغلب دعوة إلى الإنفاق [2] .
قال الإمام الماوردي رحمه الله في تفسير قوله تعالى: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} : (أي بأن تتركوا النفقة في سبيل الله فتهلكوا، ثم قال:"هذا قول ابن عباس، وقيل: لا تقحموا أنفسكم في الحرب بغير نكاية في العدو"، وقال: ابن كثير:"التهلكة أن تمسك يدك عن النفقة في سبيل الله تعالى") [3] .
وقال أيضًا: (من الأمور الواجبة على الإمام تحصين الثغور بالعدة المانعة، والقوة الدافعة؛ حتى لا يظفر الأعداء بغرة ينتهكون فيها محرمًا؛ أو يسفكون فيها لمسلم أو معاهد دمًا) [4] .
وإذا تبين هذا فإنه يجب أن يُعلم أن الإسلام هو دين الرحمة والرأفة، والإحسان إلى البشر، ودين فيه حسن الخلق، وكريم المعاملة، والدعوة إليه بالتي هي أحسن من الحكمة والموعظة الحسنة، قال تعالى: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} ، وقال تعالى: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم} .
ولا يأمر الإسلام بتصنيع أو استخدام هذه الأسلحة المدمرة التي تزيد في التهاب جمرة الحرب، وتطحن طحن الحب، وتهلك الحرث والنسل، وتحطم حطم الهشيم، وتترك من تنوشه كالرميم بسبب وقعتها العظيمة، ووطأتها الأليمة.
وما شرع الله تعالى هذا الدين إلا ليحقن دماء البشرية، ويرفع رأس الإنسانية، ويحقق تمام وكمال العبودية لله رب البرية جل وعلا، ولكن حين يضيق بالمسلمين المجال، ويتحكم فيهم الأعداء بسبب هذه الأسلحة، فلا يجوز وقوفهم مكتوفي الأيدي، بحجة أن هذا قضاء وقدر، بل يجب عليهم أن يجدّوا في إعداد القوة التي تجعل جانبهم مهابًا، وتردع عدوهم عنهم.
والآية السابقة في سورة الأنفال، وهي قوله تعالى: {وأعدوا لهم ما ستطعتم من قوة} تدل على وجوب الأخذ بجميع أسباب القوة [5] ، سواء كانت مادية أو معنوية؛ فالمادية كالإنفاق على السلاح، والتدريب في فنون الحرب، والمعنوية كالتآخي، والتصافي، والتواد، ومن أكبر أسباب القوة: الرمي، فعن عقبة بن عامر قال: (سمعت رسول الله يقول، وهو على المنبر: {وأعدوا لهم ما ستطعتم من قوة} ألا إن القوة الرمي ألا إن القوة الرمي ألا إن القوة الرمي) [6] .
وقد صح عن النبي أنه قال: (وإن ترموا خير من أن تركبوا) [7] .
قلت: لاشك أن من أعظم أسباب القوة الرمي، ومن أقوى الإرهاب لأعداء الله بالرمي هو تملك كل الأسلحة التي ترمى عليهم أو أقواها، وامتلاك أسلحة التدمير الشامل من نووية، وكيماوية، وبيولوجية تعتبر من الأمور التي تعزز موقف الدول الإسلامية أمام الدول الكافرة، وتجعلها مهابة، ومحافظة على كيانها، وكلمتها، وقراراتها؛ لاسيما في هذه العصور التي تداعت على المسلمين فيها جميع الأمم التي أخبرنا عنها نبينا بقوله: (يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها) [8] .
لذا يجب على حكومات المسلمين الحرص على اقتناء هذه الأسلحة أو تصنيعها؛ حتى تحافظ على دينها، وبلدها، ومعتقدها، وسيادتها، بإرهابها لأعدائها، وردعهم عن الاعتداء عليها، والمساس بها؛ امتثالًا لأمر ربها.
[2] انظر: الموسوعة الفقهية الكويتية (29 - 302) .
[3] انظر: تفسير الماوردي (1 - 187) .
[4] انظر: الأحكام السلطانية للماوردي (47) .
[5] انظر: المحلى بالآثار (5 - 424) وأحكام القرآن للجصاص (1 - 451) ، والمبسوط (10 - 30) ، وأحكام القرآن لابن العربي (2 - 426) ، ونهاية المحتاج (8 - 165) ، وكشاف القناع (4 - 47) ، والسياسة الشرعية (25) وإعلام الموقعين (2 - 69) .
[6] أخرجه مسلم في صحيحه (1917) ، والترمذي (3083) ، وابو داود (2514) ، وابن ماجه (2813) ، وأحمد (16979) ، والدارمي (2404) .
[7] أخرجه الإمام الترمذي (1637) ، وقال: حديث حسن صحيح.
[8] أخرجه أبو داود (4297) ، وأحمد (21891) .