أقوالهم وتدبيرهم وأحق الناس بالإمامة من أقام الدين الأمثل فالأمثل فإن تابعه الناس أدوا الواجب وإن لم يتابعوه أثموا إثما كبيرا بخذلانهم الإسلام وأما القائم به كلما قلت أعوانه وأنصاره صار أعظم لأجره كما دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع) [الدرر السنية: 7/ 98] .
والمقصود أن حقيقة الجهاد بذل الوسع في مناوأة أعداء الله وأعداء أوليائه، والقتال هو أشرف أنواعه، فكل من قاتل العدو طلبا أو دفعا فهو مجاهد وقتاله جهاد، وكل من مات في هذا القتال فهو شهيد، له أحكام الشهداء في الدنيا - سواء كان رجلا أو امرأة كبيرا أو صغيرا سنيا أو بدعيا صالحا أو فاسقا -
كما قال الحافظ ابن حجر في [فتح الباري: 3/ 309] في باب"الصلاة على الشهيد": (قال الزين بن المنير: والمراد بالشهيد قتيل المعركة - أي من المسلمين - في حرب الكفار. قال الحافظ: ولا فرق في ذلك بين المرأة والرجل صغيرا أو كبيرا حرا أو عبدا صالحا أو غير صالح) انتهى.
فلا خلاف بين العلماء على أن كل مسلم يقتل في المعركة مع الكفار؛ شهيد في أحكام الدنيا، ولذا اختلفوا في هل يصلى عليه أم لا؟ وهل يغسل أم لا؟ وأكثر الفقهاء على أنه لا يغسل ولا يصلى عليه، ولم يختلفوا في كونه شهيدا، إذ سبب خلافهم في غسله والصلاة عليه هو اتفاقهم على كونه شهيدا له خصوصية ليست لغيره من موتى المسلمين، كما ثبت في السنة، ولا يقتضي ذلك القطع له بالجنة والشهادة له بها، إذ لا يعلم ذلك إلا الله.
كما قال الحافظ في [الفتح: 6/ 90] في باب"لا يقال فلان شهيد": (أي على سبيل القطع بذلك إلا إن كان بالوحي ... وإن كان مع ذلك يعطى أحكام الشهداء في الأحكام الظاهرة ولذلك أطبق السلف على تسمية المقتولين ببدر وأحد وغيرهما شهداء والمراد بذلك الحكم الظاهر المبني على الظن الغالب) انتهى.
وإنما قتال الفتنة؛ هو القتال الذي يقع بين المسلمين لعصبية جاهلية أو قتال على ملك وسلطان ونحو ذلك، فهذا هو قتال الفتنة الذي يحرم الدخول فيه، بل يجب فيه السعي في إصلاح ذات بينهم، فإن فاءت إحدى الطائفتين وجب قتال من لم تفيء حتى تفيء إلى أمر الله.