الصفحة 1 من 11

[الكاتب: محمد رشيد رضا]

هل يجوز تحكيم العقل في المسائل الشرعية الدينية المنصوص عليها في الكتاب والسنة والإجماع والقياس المعتبرينِ؟

فإن كثيرًا من الناس يحاولون تحكيم العقل في المسائل الشرعية الدينية، فيقبلون منها ما يوافق عقولهم ويتركون ما يخالفها، وإن كان في ذلك نص أو إجماع أو قياس، فهل يجوز أم لا؟

الجواب:

ما شرع الله الدين للناس إلا لأنهم لا يستغنون عن هدايته بعقولهم.

ومن كان يؤمن بدين منزل من عند الله لا يمكن أن يقبل ما يوافق عقله منه، ويرد ما لا يوافقه من المسائل التي يعتقد أن الله فرضها عليه من الأعمال، أو حرمها عليه من التروك.

فمن فعل ذلك؛ كان غير متبع لدين يؤمن به قطعًا، وإنما متبعًا لهواه بغير هدى من الله.

فوظيفة العقل؛ أن يعلم ويفهم ليعمل، لا أن يتحكم في دينه ولا في قانون حكومته الذي هو وضع بشر مثله.

ثم إن عقول الناس تختلف اختلافًا كثيرًا فيما يوافق أصحابها، وما لا يوافقهم، وذلك يقتضي أن يكون لكل فرد ممن يُحَكِّمُون عقولهم في الدين؛ دين خاص به، وللمجموع؛ أديان كثيرة بقدر عددهم إن صح أن يسمى اتباعهم لها"دينًا"، وهو لا يصح.

فتحكيم العقل في كل مسألة من مسائل الدين؛ مخالف لحكم العقل الصحيح.

وإنما المعقول؛ أن يطلب العاقل الدليل على أصل الدين، فمتى ثبت عنده؛ وجب عليه أن يتبع كل ما علم أنه منه، فنحن قد أقمنا البرهان العقلي على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ورسالته، فمن آمن به وجب أن يتبعه في كل ما جاء به من أمر الدين.

ومنه ما هو قطعي مجمع عليه بين المسلمين، لا مجال للعقل في البحث عنه ولا عن أدلته، ومنه ما ليس كذلك، فاختلفوا في إثباته ونفيه بالتبع للاختلاف في أدلته، وفي وجه دلالته عليه - كما بيناه مرارًا تارة بالتفصيل، وتارة بالإجمال، وآخرها ما في فتاوى الجزء الماضي من"المنار"-

ومن ذلك الاختلاف في القياس، هل هو دليل شرعي أم لا، وفي حقيقته، وفي صفة دلالته وموضوعه وغير ذلك.

فلكل مسلم أن يبحث بعقله عن ذلك من طريقه، فيقبل ما صح منه، بالدليل لا بالهوى.

ولا يجب على أحد أن يقبل كل ما يقوله له بعض مدعي العلم الديني، وإن رآه غير معقول، بدون دليل شرعي، وليس من الدليل ذكر الحكم في كتاب من كتب المذاهب - كما بيناه في الفتوى المشار إليها أخيرًا -

مجلة المنار؛ العدد 10، محرم/1354 هـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت