[الكاتب: محمد رشيد رضا]
ما قولكم فيمن يقول؛ لا أعتقد ولا أعمل إلا بالقرآن الكريم فقط، ولا أعتقد ولا أعمل بالأحاديث النبوية ولو كانت صحيحة معتمدة أو غيرها!
فهل هذا يعد مسلمًا مؤمنًا أم لا؟
الجواب:
إن الإيمان بالقرآن والعمل بما أمر الله تعالى وما نهى عنه فيه؛ يستلزم الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم الذي جاء به من عنده تعالى ووجوب طاعته، بمثل قوله تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} [النساء: 59] .
وهذا الأمر مكرر في عدة سور، وفي معناه آيات أخرى كقوله تعالى: {مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء: 80] .
ومن المعلوم بنصوص القرآن، وبإجماع الأمة؛ أن الرسول صلى الله عليه وسلم هو المبين لكلام الله والمنفذ له، كما قال تعالى: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44] .
فمن يقول:"إنه لا يعتقد أن سنة النبي صلى الله عليه وسلم التي بين بها القرآن وبلغ بها الدين واجبة الاتباع، وإنه يستحل معصيته صلى الله عليه وسلم فيما صح عنه أنه أمر به أو نهى عنه من أمور الدين، وإن أجمع المسلمون على تلقيه عنه بالتواتر - كعدد ركعات الصلوات وركوعها وسجودها، وغير ذلك مما أشرنا إليه آنفًا في الفتوى"15" [1] - وإنما يعتقد ويعمل بما يدله عليه ظاهر القرآن فقط".
من قال هذا؛ لا يُعتد بإيمانه ولا بإسلامه، فإنه مشاق للرسول، غير متبع لسبيل المؤمنين، بل متناقض، يريد بهذا القول؛ جحود الإسلام وتركه من أساسه.
فالله تعالى يقول: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 115] .
ولكن إن أراد أنه غير مكلف أن يعرف هذه الأحاديث المدونة ويعمل بها كلها، أو بما صححه المحدثون منها؛ فإن قوله حينئذ يكون موهمًا - لا نصًّا - في استباحة عصيان الرسول فيما علم أنه جاء به من أمر الدين، فلا يحكم عليه بالكفر والخروج من الملة حتى يبحث معه في مراده من كلامه.
فإن أئمة المسلمين لم يقل أحد منهم بوجوب العلم بما في كتاب من كتب الحديث.
وكان موطأ الإمام مالك رحمه الله تعالى أولها تدوينًا، واستأذنه الخليفة العباسي في نشره في الأمة وأمر الناس بالعمل به، فلم يأذن له - كما بيَّنا ذلك مرارًا -
وجملة القول؛ أن المعتمد في التكفير القطعي ما أجملناه في الفتوى"15".
ومما لا شك فيه؛ أن من يعتقد أنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أمر من دين الله واستحل من هذا عصيانه فيه بدون تأويل؛ يكون كافرًا.
مجلة المنار، العدد 5
جمادى الآخرة/1353 هـ
1)منشورة في المنبر تحت عنوان"تعريف الكفر والإلحاد وحكمهما في الشرع".