[الكاتب: إبراهيم بن عبد العزيز بركات]
فضيلة الشيخ حفظك الله تعالى:
أشرت في بعض دروسك إلى وجوب اتباع أهل السنة والجماعة في العقيدة والمنهاج، إلا أنك لم تفصل المسألة، ولم تذكر أدلة على ذلك، فما هو الدليل الشرعي على وجوب اتباع سبيل أهل السنة والجماعة؟
جزاك الله خيرًا ونفع بعلمك ... آمين.
الجواب:
الحمد لله رب العالمين.
ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد؛
فإن اتباع سبيل أهل السنة والجماعة واجب بدلالة الكتاب والسنة وإجماع العلماء المعتبرين خلفًا عن سلف، وكل من يخالف ذلك عقيدة أو منهاجًا فهو آثم خارج عن الفئة المنصورة إلى يوم الدين، قال تعالى: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا} .
فهذه الآية الكريمة تبين بيانًا واضحًا لا يحتمل أدنى تأويل وجوب اتباع سبيل المؤمنين، وقد قرن الله سبحانه بين مشاققة الرسول صلى الله عليه وسلم، وبين اتباع غير سبيل المؤمنين، فكل من يتبع غير سبيل المؤمنين يكون مشاققًا للرسول، وقد توعد الله سبحانه كل من خالف سبيل المؤمنين بجهنم وساءت مصيرًا أعاذنا الله منها، والمقصود بسبيل المؤمنين الذي يجب على كل مسلم أن يتبعه، هو سبيل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، قال تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} .
فهذه الآية الكريمة إخبار من الله سبحانه يتضمن المدح الدال على الوجوب، فقد امتدح الله سبحانه طائفتين من الناس، الطائفة الأولى وهم المهاجرون والأنصار، وقد جاء السياق في مدحهم مطلقًا، والطائفة الثانية وهم الذين اتبعوهم بإحسان، وقد جاء المدح مقيدًا بقيدين اثنين:
أولهما: الاتباع.
ثانيهما: وصف الاتباع وهو الإحسان.
وهذا دليل واضح على أن المقصود بسبيل المؤمنين هو سبيل الصحابة رضي الله تعالى عنهم.
ومما يدلنا أيضًا على وجوب اتباع سبيل الصحابة، قوله تعالى: {فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} .
وهذه الآية تضمنت شرطًا ترتبت عليه حقيقة، أي إن كان إيمان الناس مثل إيمان الصحابة رضي الله تعالى عنهم فقد اهتدوا، وهذا مفهوم موافقة للفظ المتضمن مفهوم مخالفة للمعنى، أي إن لم يؤمنوا بمثل ما آمنتم به، فقد ضلوا، فعلق المولى سبحانه وتعالى الهداية على متابعة الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وقد اتفقت هذه الآية بالمعنى مع الآية السابقة: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا} .
فانظر يرحمك الله تعالى إلى تطابق اللفظين في كلتا الآيتين؛"يشاقق"،"الهدى"، فالآية الأولى بينت أن من يخالف إيمانه إيمان الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فهو في شقاق، أي في منازعة للحق، وكذلك الآية الثانية تبين أن من يتبع غير سبيل المؤمنين فإنما هو في شقاق، ولا ريب أن مشاققة الحق خروج عن الهدى فتأمل ذلك.
وعلى ما سبق تعلم أخي الحبيب؛ أن اتباع سبيل المؤمنين، الذي هو اتباع الصحابة رضي الله تعالى عنهم واجب، ويعتبر كل من خالفه مخالفًا للحق مشاققًا له.
ويعزز هذا المعنى ما جاء في الحديث الصحيح عن العرباض بن سارية رضي الله تعالى عنه قال: (وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا بعد صلاة الغداة موعظة بليغة، ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال رجل: إن هذه موعظة مودّع فماذا تعهد إلينا يا رسول الله؟ قال: أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة وإن عبد حبشي، فإنه من يعش منكم يرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة) [رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه بسند صحيح] .
ويشتمل الحديث على فوائد جمة يحتاج إليها طالب الحق الباحث عنه، ونستخلص منها:
1)الربط بين سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وسنة الخلفاء الراشدين وذلك من خلال قوله: (فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين) ، وهذا أمر دال على الوجوب، فكما أن اتباع سنة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ واجبة، فكذلك اتباع سنة الخلفاء الراشدين، حيث عطف الرسول صلى الله عليه وسلم اتباع سنة الخلفاء الراشدين على اتباع سنته فاقتضى ذلك المشاركة في الحكم.
2)إن سنة الخلفاء الراشدين، هي سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وذلك من خلال تفريد الضمير في قوله: (عضوا عليها) ، والأصل أن يقال: عضوا عليهما، حيث ذكر سنتين لا سنة واحدة، ومبنى هذا الأمر على موافقة الخلفاء الراشدين لسنة المصطفى لذا وصفوا بالراشدين المهديين، ولن يكونوا راشدين مهديين إلا باتباع الحق الذي دلهم عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
3)تعلق الضلالة بمخالفة سبيلهم وذلك من قوله: (وإياكم ومحدثات الأمور) ، فقد جاء هذا اللفظ بعيد الأمر بالتمسك بسنة الخلفاء الراشدين، وعليه يكون المخالف لسنة الخلفاء الراشدين مخالفًا في حقيقة الأمر لسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، مما يؤدي به ذلك إلى الوقوع في المحدثات التي هي من الضلال المبين.
4)إن وقوع الخلاف في الأمة من الأمور التي تؤدي إلى فشلها وهلاكها، وإن سبيل الخروج منها هو اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين، لذا شدد الرسول صلى الله عليه وسلم في هذه المسألة، وأمر بالتمسك بسنة الخلفاء الراشدين بكل ما يستطيعه المسلم من قوة حتى ولو كان ذلك بنواجذه.
ومفهوم الحديث بعموم، أن المجتمع المسلم سوف يشهد اختلافات كثيرة، واضطرابات فكرية بحيث يصبح المسلم غارقًا في متاهات اجتهادية يصل إلى درجة لا يعرف بها طريق الحق الذي يجب أن يكون عليه، ومن تمام ديننا الحنيف، بين ما يجب أن يكون عليه المسلم في هذه المتاهات الكثيرة، وهو اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين، فهو طريق الحق، وهو سبيل النجاة في الدنيا والآخرة، والشاهد من الحديث أن الخلفاء الراشدين لا يتصفون بهذا الوصف إلا إن كانوا متبعين لسنة الرسول صلى الله عليه وسلم التي عليها الصحابة رضي الله تعالى عنهم، إذ سنة الخلفاء الراشدين لا تنفصل عن سنة الصحابة.
ومن أدلة السنة على وجوب اتباع سبيل الصحابة رضي الله تعالى عنهم:
ما جاء عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (تفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة، كلهم في النار إلا ملة واحدة، قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي) [أخرجه الترمذي وغيره بإسناد حسن] .
وهذا الحديث موافق لما دلت عليه النصوص السابقة من الكتاب والسنة، ففيه إشارة واضحة إلى وجوب اتباع الصحابة رضي الله تعالى عنهم في العقيدة والمنهاج.
ووجه ذلك فيما يلي:
1)الإشارة إلى افتراق المسلمين إلى فرق كثيرة تكون جميعها هالكة إلا جماعة واحدة، وهي التي تكون موافقة لما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وهذا دليل واضح على أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا على الحق باعتبار من وافقهم من اتباع الفرقة الناجية.
2)جاء الحديث بصيغة الإخبار المتضمن للتحذير والمدح للدلالة على شيئين منفصلين، فأما التحذير فمن خلال قوله صلى الله عليه وسلم: (كلها في النار) ، وأما المدح فمن خلال قوله: (إلا واحدة) ، مما يدلنا ذلك على أن الفرقة المستثناة من الهلاك هي الفرقة الموافقة لما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، على خلافها من الفرق التي شملها الذم تضمنًا.
3)قوله: (إلا واحدة) ، فهذا اللفظ دال على أن أهل الحق جماعة واحدة، وليسوا جماعات متفرقة، لأن المعنى - إلا فرقة واحدة من بين هذه الفرق ليست هالكة - وقد جاء وصف هذه الفرقة أي الناجية، أنها تكون على مثل ما يكون عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
4)ما تضمنه الحديث من وجوب اتباع الصحابة رضي الله تعالى عنهم باعتبارهم الفرقة الناجية.
وعليه يكون اتباع الصحابة واجبًا، وأما من ذهب إلى تضعيف الحديث فلا يعتد بقوله فالحديث صحيح متنًا وسندًا، والأدلة القاطعة آنفة الذكر تدل على معناه.
ومن أدلة السنة على وجوب اتباع الصحابة رضي الله تعالى عنهم؛ ما جاء في الحديث المتفق على صحته عند أئمة الحديث عن معاوية بن أبي سفيان وغيره أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس) .
ومن الفوائد التي تضمنها الحديث الشريف:
1)وجود طائفة ظاهرة على الحق، وهي باقية ما بقيت السماوات والأرض، وهي طائفة واحدة لا تتعدد، إذ دل اللفظ على طائفة واحدة لا طوائف متعددة، وهذا الحديث من حيث المعنى يتفق مع الحديث قبله في المعنى، فقوله: (إلا واحدة) يتفق مع قوله: (لا تزال طائفة) ، وعليه يكون أهل الحق متوحدين متعاضدين لا متفرقين.
2)دل سياق الحديث على أن الطائفة موجودة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي باقية إلى قيام الساعة، مما يدلنا ذلك بوضوح على أن الصحابة هم طليعة هذه الطائفة، فهم على الحق الذي من خالفهم عليه يكون ممن خذلهم وأعرض عن منهجهم الحق.
3)إن أصحاب الحق امتداد للطائفة المنصورة، فلا يكونون منقطعين عنها أو مخالفين لها، بل هم اتباع لهذه الطائفة يقولون بما قالوا به، ويفعلون ما فعلوه، وهذا خلاف واقع الجماعات إذ هي قائمة على أفكار اجتهادية مرجعها إلى أفهام أشخاص قد يصيبون وقد يخطئون.
4)إن هذه الطائفة موافقة للحق قائمة عليه، فهي غير اجتهادية أو هوائية، بل هي طائفة تجعل اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم منهجها وسبيلها لعبادة الله سبحانه، ولم تقم جماعة على وجه البسيطة تعرف باتباع الرسول صلى الله عليه وسلم؛ سنة، سنة، إلا الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ومن كان على نهجهم.
ومن الأدلة أيضًا على وجوب اتباع الصحابة رضي الله تعالى عنهم؛ ما جاء في الحديث عن سعيد بن أبي بردة عن أبيه عن النبي أنه قال: (النجوم أمنة للسماء فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد وأنا أمنة لأصحابي فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون) [رواه مسلم] .
وهذا الحديث دليل واضح على أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم هم الطائفة المنصورة التي يجب على المسلمين اتباعهم، فكما دل الحديث على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو أمنة أصحابه، كذلك دل الحديث على أن الصحابة هم أمنة الأمة فيتفق اللفظ مع اللفظ، والحكم مع الحكم.
وكذلك ما جاء في الحديث الصحيح عن عمران بن حصين رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) ، قال عمران: (فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة) [متفق عليه] .
والحديث صريح الدلالة بوجوب اتباع الصحابة رضي الله تعالى عنهم، إذ وصفهم بخير الناس، ولا يستحقون هذه الوصف إلا لموافقتهم للحق الذي كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم، فهم خير الناس، ولم تأت هذه الخيرية لمجرد الصحبة بل لما قاموا به من جهود جبارة لخدمة هذا الدين، وبذل النفس والنفيس في سبيله، ومن المعلوم ضرورة أن الله سبحانه لا يقبل العمل إلا بشرطين، الإخلاص والصواب، ووصفه صلى الله عليه وسلم لأصحابه بالخيرية يقتضي قبول أعمالهم الدالة على صحة وسلامة منهجهم الذي كانوا عليه.
وقد جاءت هذه الأدلة المتعددة من الكتاب والسنة صريحة الدلالة على وجوب اتباع الصحابة رضي الله عنهم، وعلى أن مخالفتهم أثم عظيم يستحق المخالفون لهم عذاب الله سبحانه في الدنيا والآخرة.
وهنالك أدلة أخرى تدل على هذا الأمر تضمنًا، منها:
أولًا؛ المدح المطلق:
قال تعالى: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} ، وقوله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} ، وقوله تعالى: {لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * والَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} .
وغيرها من الآيات الدالة على مدح الله المطلق لأصحاب محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، مما يدلنا ذلك على موافقة الصحابة للحق الذي يريده الله سبحانه، وإلا لما استحقوا هذا المدح.
ثانيًا؛ الثناء على مواقفهم وأعمالهم:
ومن الأمثلة على ذلك قوله تعالى: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} ، وقوله سبحانه: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا.
ثالثًا؛ الدلالة الصريحة على فضلهم وعدم مساواة الآخرين لهم:
كما في قوله تعالى: {وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} ، وقوله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} .
وإن كانت الآية عامة فيمن اتصف بتلك الصفات إلا أن دخول الصحابة في هذه الآية من باب أولى.
ومما ذكرنا من الآيات الكريمات المشتملة على ثناء الله سبحانه على صحابة رسوله العام الشامل لإيمانهم، وأعمالهم، وأخلاقهم، لدليل على صحة معتقدهم ومنهجهم، ولولا موافقتهم للحق واتباعهم له لما استحقوا كل هذا الفضل والثناء.
وقد جاءت السنة صريحة ببيان فضل الصحابة وعدم مساواة الناس لهم بالفضل والأجر.
كما في الحديث المتفق على صحته عند أئمة الحديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (لا تسبوا أصحابِي فوالذي نفسي بِيده لو أَن أحدكم أَنفق مثل أحد ذهبًا ما أَدرك مد أَحدهم ولا نصيفه) .
فهذه الأدلة قاطعة بوجوب اتباع سبيل المؤمنين، وهو سبيل الصحابة رضي الله تعالى عنهم ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وهذا المنهج هو المنهج الذي عرف بمنهج أهل السنة والجماعة التي يجب على كل مسلم أن يكون فيه.
وهذه التسمية ليست تسمية محدثة، بل هي تسمية عرفت زمن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، كما جاء ذلك في تفسير ابن عباس رضي الله تعالى عنمها لقوله تعالى: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ} ، قال: (تبيض وجوه أهل السنة والجماعة، وتسود وجوه أهل الفرقة والضلالة) .
وقد نقل ابن كثير رحمه الله تعالى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: (يعني يوم القيامة حين تبيض وجوه أهل السنة والجماعة، وتسوّد وجوه أهل البدعة والفرقة، قاله ابن عباس رضي اللّه عنهما) .
وهذا الأثر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما صحيح، وقد درج العلماء قديمًا وحديثًا على تسمية أهل الحق بأهل السنة والجماعة.
وتقوم هذه التسمية على أصلين عظيمين:
أولًا: أهل السنة، وهذا من باب المضاف والمضاف إليه، فأهل السنة إذن هم اتباعها الذين لا يخرجون عنها، فلا يكون أهل الحق إلا متبعين للسنة، وعليه فكل مخالف للسنة لا يعتبر من أهل الحق، فاتباع السنة ضابط من الضوابط التي يميز بها أهل الحق عن غيرهم.
ثانيًا: الجماعة، فقد جاء وصف أهل الحق بأنهم أهل جماعة إذ عطف لفظ الجماعة على لفظ أهل السنة، فكما أن أهل الحق معروفون باتباعهم للسنة، كذلك هم معروفون باجتماعهم عليها، فلا يكون أهل السنة متفرقين بل مجتمعين، وعليه فهذان وصفان ثابتان لأهل الحق، وهما اتباع السنة والاجتماع عليها، وأهل الحق متصفون بهاتين الصفتين، فإن فقدوا إحدى الصفتين خرجوا عن كونهم أهل سنة وجماعة، وهذان الأصلان قائمان على أدلة قطعية لا يخالف فيها مسلم، وإن كان كثير من المسلمين يخالفون هذين الأصلين بأقوالهم وأفعالهم إما جهلًا، وإما اتباعًا للهوى عافانا الله سبحانه.
1)الأدلة على وجوب الاتباع:
الأدلة على وجوب الاتباع كثيرة معلومة، بل هي من لوازم التوحيد، فكلمة التوحيد مشتملة على حقيقتين، الأولى تفريد الله سبحانه بالعبادة، فلا معبود بحق سواه، الثاني، تفريد الرسول صلى الله عليه وسلم بالاتباع، فلا متبوع بحق إلا الرسول صلى الله عليه وسلم.
أدلة وجوب اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم من القرآن:
قال تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُوا اللّهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} .
وما يستفاد من هاتين الآيتين الكريمتين:
1)أن محبة الله سبحانه لا تكون إلا من خلال متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم، وذلك لتضمنها للشرط، أي إن كان حبكم لله حبًا صادقًا فإنه يحملكم على اتباع النبي، وما يفهم في مقابل هذا اللفظ، أن عدم متابعتكم للرسول دليل على عدم محبتكم لله سبحانه.
2)وجوب اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم لحتمية وجوب محبة الله سبحانه، فحب الله من الإيمان الواجب الذي ينتفي الإيمان بانتفائه، قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ} .
واتخاذ الأنداد من دون الله ومحبتهم مع الله شرك، فكيف إذا خلا قلب العبد من محبة الله؟ وبما أن محبة الله لا تتحقق إلا بمتابعة الرسول صلى الله عليه وسلم كان اتباعه واجبًا.
3)محبة الله لمن يتبع رسوله، إذ علق الله سبحانه وتعالى محبته للعباد باتباعهم للرسول، وحب الله دليل على المدح المتضمن للوجوب، أي يجب على المسلم أن يسلك السبل التي يتوصل من خلالها إلى حب الله له، ومن أعظم هذه السبل متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم مما دلنا ذلك على الوجوب.
4)ما تضمنته الآية الكريمة من كون التولي عن طاعة الله والرسول صلى الله عليه وسلم من صفات الكفر التي لا يحبها الله سبحانه، ولا شك بأن أهل الحق لا يتصفون بصفات يبغضها الله سبحانه ويذم عليها.
دليل آخر على وجوب الاتباع؛ قال تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} .
وهذه الآية الكريمة اشتملت على تحذير شديد لمن خالف أمر الرسول صلى الله عليه وسلم، بل جاءت نتائج المخالفة واضحة وهي إحدى أمرين:"أن تصيبهم فتنة"، أو"يصيبهم عذاب أليم"، وهذا التحذير المتضمن للوعيد الشديد الدال على الذم والتحريم لدليل صريح على وجوب متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم في كل ما أمر به ونهى عنه وفق ما هو مقرر عند العلماء.
دليل آخر؛ قال تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} .
وهذه الآية الكريمة دالة على وجوب متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم في كل شيء إذ"ما"اسم موصول دال على العموم، مما يفهم من ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم معصوم بكل ما يقوم به من أعمال تعبدية بدلالة إطلاق المتابعة في الأمر والنهي، وإلا لما جاء الأمر بوجوب المتابعة بعموم، وعليه يكون الأمر في هذه الآية الكريمة من صيغ الأمر واجب الاتباع.
أدلة من السنة الصحيحة على وجوب الاتباع:
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قالوا: يا رسول الله ومن يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى) [رواه البخاري] .