الصفحة 10 من 11

فهذا الحديث صريح الدلالة على وجوب متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم في ما أمر به، ونهى عنه، إذ علق دخول الجنة على متابعته، فكل من اتبعه فهو من أهل النجاة، وعليه كل من خالفه فهو من أهل الهلاك، ولا أدل من هذا السياق على فرضية اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم.

حديث آخر؛ أخرج الإمامان البخاري ومسلم في صحيحيهما أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني) .

وهذا الحديث الصحيح يربط ما بين طاعة الله سبحانه، وطاعة رسوله، ثم يرجع الطاعتين إلى طاعة واحدة، وهي طاعة الله سبحانه وتعالى، ولا خلاف في وجوب طاعة الله سبحانه.

وإن كانت هذه الأدلة بظاهرها تدل على وجب اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، فهنالك أدلة آخرى تدل على حرمة مخالفته ومغايرة سبيله.

منها ما جاء في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها، عن النبي أنه قال: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) .

والإحداث في الدين؛ هو كل عبادة يتقرب بها إلى الله سبحانه عن غير طريق الرسول صلى الله عليه وسلم، إما أصلًا أو كيفًا.

وكذلك ما جاء في صحيح مسلم عن جابر رضي الله عنه أن النبي كان يقول في خطبة يوم الجمعة: (أما بعد؛ فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة) .

والتحذير من المحدثات ما هو إلا إلزام باتباع الرسول صلى الله عليه وسلم بكل ما جاءنا به، وهذا ما كان ظاهرًا في الصحابة رضي الله تعالى عنهم، والأمر في ذلك أوضح من أن يستدل عليه، وما ينبغي التنبيه إليه هو أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم كانت متابعتهم للرسول أبرز أعمالهم التي أثنى الله عليهم لأجلها، إذ قال سبحانه: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} .

فالصحابة رضي الله تعالى عنهم عرفوا باتباعهم الحقيقي للرسول فقد أخذوا أحكام الدين عنه دون أن يزيدوا أو ينقصوا فيه، وهذا سبب فلاحهم ورضى الله سبحانه عنهم، والشاهد في الآية الكريمة قوله تعالى: {وما بدلوا تبديلًا} ، فالصحابة رضي الله عنهم لم يبدلوا ولم يحرفوا إنما أخذوا الدين وفق ما جاءهم به النبي.

وقد جاء في الحديث الصحيح؛ أن الإحداث في الدين من أبرز ما يرتب على المسلم حرمان الثواب والنجاة يوم القيامة قال: (إني فرطكم على الحوض انتظر من يرد إليّ، فوالله ليقتطعن دوني رجال، فلأ قولن: أي رب مني ومن أمتي فيقول إنك لا تدري ما عملوا بعدك، مازالوا يرجعون على أعقابهم) [أخرجه مسلم] .

ووجوب الاتباع، وحرمة الابتداع؛ قاعدة عامة من قواعد ديننا الحنيف، بل إن العمل لا يقبل من أي عامل إلا من خلال الصحة والإخلاص، لقوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} ، وأهل السنة هم أهل اتباع، لذا سموا بأهل السنة، أي بسبب اتباعهم للسنة وعدم مخالفتهم لها، سموا بذلك، أي بأهل السنة، فلا يكون أهل الحق إلا متبعين للسنة الصحيحة.

2)الأدلة على وجوب الاجتماع:

سبق الذكر بأن أهل السنة والجماعة يتصفون بصفتين أساسيتين لا تنفصل إحدهما عن الأخرى وهما؛

الأولى: الاتباع - ومضى القول فيه -

الثانية: الاجتماع، وهي صفة لازمة لأهل الحق، فأهل الحق من صفاتهم اللازمة اجتماعهم على الحق، وعدم تفرقهم في الدين.

وقد جاءت الأدلة القاطعة على ذلك:

الأدلة من القرآن:

منها قوله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} ، وقوله تعالى: {وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} ، وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ} .

فهذه الآيات دليل واضح على وجوب الاجتماع وحرمة الافتراق، وهذا ما تجسد في الصحابة رضي الله تعالى عنهم في عهد النبي ونزل القرآن مثبتًا له، واصفًا المؤمنين بأعلى درجات الاجتماع والألفة، من ذلك قوله تعالى: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} ، وقوله سبحانه: {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} .

فالله سبحانه يصف المؤمنين بأنهم متحابون متلاحمون متعاضدون، وهذا ما يجب أن يكون عليه المؤمنون.

كما جاء في الحديث عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم مثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) [متفق عليه] .

وكل هذه المعاني تدل على اجتماع المسلمين وعدم تفرقهم على خلاف واقعهم في هذا الزمان، وهذا خلاف الحق الذي يجب أن يكون المسلمون عليه، فالمسلمون مطلوب منهم أن يجتمعوا على الحق، واجتماعهم على الحق دليل واضح على موافقتهم له، على خلاف تفرقهم فهو دليل بعدهم عن المنهج الحق الذي عليه أهل الحق، أهل السنة والجماعة، قال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} .

وهذا خطاب عام من الله سبحانه لعباده المؤمنين، يأمرهم من خلاله بالتعاون على البر والتقوى، وينهاهم عن التعاون على الإثم والعدوان، وهو أمر يدل على الوجوب لترتب الطلب والتحذير، وهذا مسألة لا يختلف فيها المسلمون نظريًا، بل الخلاف فيها عمليًا، أي من حيث الحكم فكل المسلمين متفقون على وجوب التعاون، أما من حيث التطبيق - فالله المستعان -

الأدلة من السنة:

ومن أدلة السنة على وجوب الاجتماع؛

قوله: (عليكم بالجماعة، وإيَّاكم والفرقة) [رواه أحمد الترمذي، وقال: حديث حسن غريب] .

وورد في حديث أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي أنه قال: (فعليك بالجماعة، فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية) [رواه أبو داود والنسائي والحاكم، وقال: هذا حديث صدوق رواته] .

وفي حديث حذيفة بن اليمان الشهير في الصحيحين، ومطلعه: (كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني) ، إلى قوله: (تلزم جماعة المسلمين وإمامهم) .

وهذه الأحاديث مبينة لوجوب اجتماع المسلمين، وهي مسألة أصلية يقوم عليها ديننا الحنيف، لذا شدد الإسلام على كل ما يحول دون الاجتماع كالتفرق والاختلاف، قال تعالى: {وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} .

ومن أدلة السنة على حرمة التفرق والاختلاف؛ ما رواه أبو داود وابن ماجه عن معاوية رضي الله عنه عن النبي أنه قال: (ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة، وهي الجماعة) .

وكذلك ما رواه البخاري ومسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي أنه قال: (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة) .

ومن منطلق الحفاظ على وحدة الأمة؛ أوجب الله سبحانه تنصيب إمام واحد للمسلمين في شتى بقاع الأرض، وشدد على الخروج عليه.

فقد جاء في الحديث الذي رواه الشيخان البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى، عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي أنه قال: (من رأى من أميره شيئًا يكرهه فليصبر، فإنَّه ليس أحد يفارق الجماعة شبرًا فيموت، إلا مات مِيتةً جاهلية) .

وما رواه مسلم أيضًا عن أبي سعيد الخُدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما) .

وروى مسلم عن عرفجة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم، أو يفرق جماعتكم فاقتلوه) .

وروى مسلم أيضًا عن أبي حازم قال: قاعدت أبا هريرة خمس سنين فسمعته يحدث عن النبي، قال: (كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، وستكون خلفاء فتكثر، قالوا فما تأمرنا قال: فوا ببيعة الأول فالأول، وأعطوهم حقهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم) .

ما يستفاد من عموم الأدلة:

1)أن المسلمين أمة واحدة، متآلفة متراحمة.

2)أن وحدة الأمة واجبة، ويكون ذلك ضمن جماعة واحدة تحت راية واحدة، بإمرة أمير واحد.

3)أن كل ما يحول دون تحقق هذا الأمر يعتبر حرامًا ومنه التفرق والاختلاف ومفارقة الجماعة.

4)أن كل من فارق الجماعة يعتبر آثمًا يجازى على فعله أسوء الجزاء.

ويستدل بعموم الأدلة؛ على أن أهل الحق مجتمعين غير متفرقين.

وبهذا أخي الحبيب؛ تعلم أن مصطلح أهل السنة والجماعة ليس مصطلحًا محدثًا، بل هو مصطلح موجود معروف منذ زمن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وأنه دال على أصلين يعرف بهما أهل الحق من غيرهم، وهما الاتباع والاجتماع، وكل جماعة خرجت عن ذلك لا تعتبر من أهل السنة والجماعة التي يجب على كل مسلم أن يكون فيها.

حقيقتان تقومان على هذين الأصلين:

لقد عرفنا فيما سبق أن أهل السنة والجماعة، أهل اتباع واجتماع، وأن هاتين الصفتين من أبرز ما يتميز بهما أهل الحق عن غيرهم، إلا أن في الأمة التباسات كثيرة تحول دون الوصول إلى الجماعة الحق نظرًا لكثرة وقوع الخلاف فيها، فما من فرقة إلا وتدعي أنها على الحق المبين، وأنها الجماعة التي يجب على المسلمين أن يكونوا فيها أو يعملوا معها، وأن من خالفها يعتبر آثما مخالفًا للحق المبين، وما من فرقة من هذه الفرق إلا وتأتي بأدلة كثيرة على صحة مذهبها وبطلان من يخالفها، مما أوقع كثيرًا من الباحثين عن الحق في حيص بيص وأصبح الحليم فيهم حيرانًا، مما يتعين علينا بيان ذلك بيانًا لا نبقي معه أدنى ريب لمن يريد الحق، ولا يزيد الظالمين إلا خسارة.

وهذا البيان قائم على الأصلين الذين يميزان سبيل أهل السنة عن غيره:

1)الاتباع:

والمقصود بالاتباع؛ اتباع سبيل المؤمنين، وهم الصحابة والتابعون لهم بإحسان، ولا يكون ذلك إلا من خلال ما أجمعوا عليه، لا فيما اختلفوا فيه، فالمقصود بالمتابعة متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم فيما كان دليله دليلًا صريحًا، أما ما كان دليله محتملًا غير مخالف لأصول الشريعة، فهو واقع في دائرة الاجتهاد التي لا يعاب الناس عليه، وعليه يجب على المسلم أن يكون متبعًا لما قام إجماع الأمة عليه.

فإن خالف إجماع الأمة فهو أحد الضالين الذين يعملون على إخراج الأمة عن سبيلها القويم، وذلك لقوله تعالى: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا} .

وقد مضى القول؛ بأن المقصود بسبيل المؤمنين، هو سبيل الصحابة رضي الله عنهم، وهذا ما دلت عليه الأدلة القاطعة، فكل من خالف سبيل الصحابة يعتبر مبتدعًا كالفرق الهالكة التي أصل هلاكها نابع من مخالفتها لسبيل الصحابة رضي الله تعالى عنهم في العقيدة أو المنهاج، فكل فكر لم يعرف في زمن الصحابة، فهو فكر أجنبي عن المسلمين إلا أن يكون عليه دليل من الكتاب والسنة، ومن الأفكار الدخيلة على الإسلام ما روج إليه أهل الكلام واعتبروه من عقائدهم، كالقول بخلق القرآن، ونفي صفات الله سبحانه أو تشبيهها، والقول بعدم الإيمان بخبر الواحد، وبوحدة الوجود، وغيرها من الأفكار الكثيرة التي لم تعرف في زمن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فإن عدم طرق الصحابة لهذه المواضيع وعدم خوضهم فيها وهم أصحاب الاتباع الحق، لدليل واضح على خروج أصحاب هذه الأقوال عن الاتباع الذي هو دليل على صحة المعتقد والمنهج.

2)الاجتماع:

الاجتماع هو الأصل الثاني التي يستدل من خلاله على معرفة أهل الحق من غيرهم، فكل قول أو عمل يؤدي إلى تفرق الأمة يعتبر محرمًا شرعًا لحيلولته دون اجتماع الأمة الواجب، وهذا ما يقع فيه كثير من المسلمين، فإننا نرى حتى أصحاب الدعوة إلى وحدة المسلمين متفرقين متعادين، وهذا من التناقضات الظاهرة، إذ كيف يدعو إلى وحدة المسلمين من هو أحد أسباب تفرقهم؟

ومرجع هذا التناقض إلى الخروج عن المنهج الحق، فإن هؤلاء المفرقين للأمة الداعين إلى وحدتها، إنما فرقوا الأمة بسبب دعوتهم للناس من أجل أن يتبنوا ما تبنوه هم من خلال الاجتهادات الخاصة، وإلا فمن ضرورات توحيد الأمة أن يكون الداعون إلى ذلك قائمين على أسس مجمّعة غير مفرقة، وهذا لا يكون إلا من خلال دعوة الناس إلى التمسك بالأصول التي لا يختلف فيها، والإعراض عن كل ما هو اجتهادي، لأن الأمة لن تجتمع على مذهب زيد وعمر، ولكنها تجتمع على الأصول المتفق عليها وهي ما تكون أدلتها أدلة مقطوع بها، ولا يتحقق ذلك إلا باتباع الأصول دون الفروع، وبهذا جاءت الأدلة من الكتاب والسنة، قال تعالى: {هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَاوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَاوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الألْبَابِ} .

يتبين من خلال هذا النص القرآني؛ أن آيات القرآن الكريم تنقسم إلى قسمين:

القسم الأول: الآيات المحكمة.

القسم الثاني: الآيات المتشابهة.

فكلا الآيات المحكمة والمتشابهة من القرآن الكريم، وكلا المتبعين لهما متبعون لآيات القرآن الكريم، إلا أن المتبع للمتشابه من القرآن مائل عن الحق متبع للهوى، على خلاف المتبع للمحكم، فهو متبع للحق موافق له، والفرق بين القسمين من الآيات، أن القسم الأول وهو المحكم، لا يختلف الناس فيه، وعليه لا يتفرقون، على خلاف القسم الثاني، فإنه يكون سببًا لتفرق الأمة.

ويتفق مع هذا النص ما جاء في الحديث الصحيح عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام - كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه - ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب) [متفق عليه] .

والحديث بمدلوله العام؛ يدل على أن الواجب على المسلم اتباع الحلال البين، وهو الواضح الذي لا شبهة فيه، وهو الذي لا يختلف على حله المسلمون، وكذلك الواجب عليه اجتناب الحرام البين، وهو الذي لا يختلف على تحريمه المسلمون، وقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم؛ أن بين الحلال البين، والحرام البين، أمور مشتبه بها، أي ليست حلالًا بينًا، أو حرامًا بينًا، فهي إذن تحتمل الوجهين، وهذا القسم الذي يجب على المسلمين أن يتقوه، وبناء على هذا الأصل فإن المسلمين لا يختلفون، وبهذا يجتمعون.

أما إذا وقعوا في المتشابهات، ومنها ما وقع الخلاف فيه بين المسلمين، فإنهم يقعون في الحرام البين الذي جاء النص دالًا عليه.

ولا يقال في هذا الموضع: إنه لا يجوز العمل بما اختلف فيه أهل العلم من أحكام شرعية مبناها الاجتهاد، فهنالك من الناس من يعلم حقيقة المسائل التي بين الحلال البين، والحرام البين، كما بين ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: (لا يعلمها كثير من الناس) ، فقوله: (لا يعلمها كثير من الناس) ، دليل واضح على أن بعض الناس يعلمون ما تشابه منه إن كان متعلقه بالأحكام الشرعية التي يتوصل إليها من خلال التتبع والاستقراء.

وقد اختلف أهل العلم في مسألة تقليد عالم فيما توصل إليه من خلال اجتهاده، ولكن ما اتفق عليه أهل العلم المعتبرون خلفًا عن سلف؛ هو حرمة اتباع عالم بعينه يقوم على شخصه الولاء والبراء، أو الاعتقاد أنه على الحق المبين دون غيره من العلماء.

وهذا عين ما نراه في مجتمعنا اليوم، فكثير من المسلمين يعتقدون أن الحلال والحرام راجع إلى أقوال علمائهم، فما قال علماؤهم قالوا به، وما توقفوا عنه، توقفوا عنه، إلا فيما يتعلق بمسائل لا تعارض ما هم عليه، وهذا هو ما حرمه الإسلام وعاب عليه، إذ جعل أولئك مصادر تشريعاتهم أقوال علمائهم التي بنوها على غلبة الظن، وفي كثير من الأحيان تكون مخالفة لما أجمع عليه أهل السنة والجماعة - كما تقرر ذلك آنفًا - قال تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} .

وقد جاء في تفسير هذه الآية؛ ما جاء عن عدي بن حاتم رضي الله عنه الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم له: (ألم يحلوا لكم الحرام فأطعتموهم؟) ، قال عدي رضي الله عنه: بلى، قال: (وحرموا عليكم الحلال فأطعتموهم؟) ، قال: بلى، قال صلى الله عليه وسلم: (فتلك عبادتكم إياهم) [رواه ابن ماجة والترمذي وحسنه] .

وهكذا المسلمون إذا جعلوا مرجع تحليلهم وتحريمهم إلى أقوال علمائهم، وأقاموا الولاء والبراء فيهم، وقعوا فيما وقع فيه بنو إسرائيل، فسلكوا بذلك سبيل المغضوب عليهم والضالين، ولن يكون في حال من الأحوال؛ أهل الحق مشابهين لأهل الباطل في أي عمل قام الدليل على النهي عنه وورد الذم عليه.

ومن خلال هذين الأصلين؛ الاتباع، والمقصود به اتباع سبيل المؤمنين - الصحابة ومن تبعهم بإحسان - فيما أجمعوا عليه، والاجتماع، وهو اجتماع أهل الحق على إقامة هذا الدين نميز بين أهل الاتباع، وأهل الابتداع، وهذا ملخص ما دل عليه مصطلح"أهل السنة والجماعة"، فأهل السنة هم أهل الاتباع القائم على الإجماع، المجتمعون عليه.

فوائد لا بد من ذكرها:

أولًا: إن حكم اجتماع المسلمين يكون على المسائل التي دل عليها النص الصريح، أو التي قام الإجماع عليها، أما ما كان ظنيًا؛ فيجوز الاختلاف فيه شريطة أن لا يقوم الولاء والبراء فيه، أو يؤدي إلى تفريق الأمة.

وقد دلت على ذلك النصوص الشرعية لما جاء في الحديث عن النَّزال بن سبرة قال سمعت عبد الله بن مسعود قال: سمعت رجلا قرأ آية سمعت من النبي خلافها فأخذت بيده، فأتيت به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (كلاكما محسن فاقرآ) ، قال شعبة - أحد رواة الحديث - أكبر علمي أن النبي قال: (فإن من كان قبلكم اختلفوا فأُهلكوا) [رواه البخاري] .

وكذلك حديث عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال النبي يوم الأحزاب: (لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة) ، فأدرك بعضهم العصر في الطريق، فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيها، وقال بعضهم: بل نصلي لم يرد منا ذلك، فذُكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فلم يعنف واحدا منهم [رواه البخاري] .

وعليه لا يكون قولنا متعلقًا بالمسائل الاجتهادية المحتملة القائمة على النصوص الشرعية، شريطة أن لا تكون مخالفة نصًا صريحًا، أو إجماعًا معتبرًا، ولا يكون الولاء والبراء قائمًا عليها - كما ذكر - فهذه أمور تحول دون اجتماع الأمة.

وقد تجلى الاجتماع في أعلى صوره في واقع الصحابة رضي الله تعالى عنهم، رغم اختلافاتهم المتعددة في كثير من المسائل الفقهية وغيرها، ومع ذلك لم يؤد هذا الاختلاف إلى التفرق والتباغض بينهم، بل كانوا إخوانًا بكل ما تحمل الكلمة من معنى، قال تعالى: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} .

ثانيًا: إن الله سبحانه حرم على المسلمين، التفرق والاختلاف، وكل ما يؤدي إلى التفرق والاختلاف فهو محرم.

من ذلك التحزب؛ فهو من أبرز ما يفرق بين الأمة الواحدة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت