الصفحة 11 من 11

وقد جاء الأمر باعتزال الفرق كلها، كما في حديث حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه قال: (كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركنى، فقلت: يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر وجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم، قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم وفيه دخن، قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر، قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها، قلت: يا رسول الله صفهم لنا؟ قال: هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا، قلت: فما تأمرنى إن أدركنى ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم، قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك) [رواه البخاري] .

فهذا الحديث يدل بوضوح على وجوب التمسك بجماعة المسلمين وإمامهم، واعتزال الفرق كلها في الحالة التي يكون المسلمون فيها من غير إمام أو جماعة.

ولكن الحديث لا يدل على اعتزال أهل الحق، بل يدل على اعتزال الفرق المخالفة لأهل الحق.

ويدلنا على ذلك أمران:

أ) أن سياق الحديث يفصل بين الجماعة والإمام، فقول حذيفة: (فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام) ، يتبين منه أن الجماعة قد تكون من غير إمام، أو الإمام من غير جماعة، وإن كان الثاني بعيدًا لقيام الأدلة على خلافه، إلا أنه قد تنفصل الجماعة عن الإمام حتى في وجوده، كأن يكون الإمام مخالفًا لسبيل المؤمنين، متبعًا للبدع والضلالة، وقد وقع هذا في المسلمين على الحقيقة، على خلاف الاحتمال الأول فهو محتمل الوقوع، أي قد توجد الجماعة ولا يوجد الإمام، كما هو الحال في هذا الزمان.

ب) قيام الأدلة على بقاء أهل الحق الطائفة المنصورة إلى قيام الساعة.

كما جاء في الحديث الصحيح عن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (لا تزال طائفة من أمتي قائمين بأمر الله، لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك) .

ومن المعلوم ضرورة؛ أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا ينهى عن اعتزال هذه الطائفة الناجية، بل ينهى عن اتباع من يخالفها، وبما أن الحديث صريح الدلالة ببقاء هذه الجماعة إلى أن يرث الله سبحانه الأرض وما عليها؛ فيكون العمل ضمن هذه الطائفة من أفضل العبادات التي يتقرب بها إلى الله سبحانه، على خلاف العمل في الفرق المخالفة لها، فهو من أكبر الكبائر.

وعليه تعلم؛ أن المخالفين لهذه الطائفة المدعين للحق المبين ينقسمون إلى ثلاثة أقسام:

1)المخالفون لها عقيدة ومنهاجًا: وهم الذين أعمى الله قلوبهم فضلّوا عن الصراط، ومن أولئك الفرق المعادية لها الداعية إلى غير سبيلها.

2)المعتزلون لها: وهؤلاء الذين آثروا العزلة على العمل خوفًا من الفتنة، وإذ بهم قد وقعوا فيما هو أشد من ذلك، وقعوا في التخاذل عن نصرة أهل الحق والعمل معهم، فلا هم أظهروا الحق، ولا ذادوا عنه، بل دفنوا أنفسهم في العزلة أحياء، وارتضوا بالذل والهوان، وما حركهم إيمانهم للدفاع عن عقيدتهم، وأمتهم التي هي أحوج ما تكون لكل مسلم يقودها إلى الصراط الحق المبين.

وهؤلاء ممن رفع شعاره عاليًا؛ اللهم نفسي، اللهم نفسي، فاعتزل الفرقة الناجية، بل قد يكون مثبطًا عنها بتخاذله المتولد عن يأسه وجبنه، عافانا الله سبحانه من ذلك.

3)المدعون أنهم من الطائفة المنصورة أهل السنة والجماعة، الرافعون شعار اتباع السلف الصالح: وهم الذين تحزبوا أشد من تحزب المتحزبين، وذلك من خلال قيامهم على قواعد هشة، هم أول من ينتقدها، وهو الاتباع المذموم المتجسد بمعرفة الحق بالرجال، فهم يقيمون ولاءهم وبراءهم في مشايخهم، ولا يعرفون الحق إلا من أقوالهم، أضف إلى ذلك تخذيلهم للعاملين واتهامهم لهم، والدعوة إلى تثبيت عروش الظلمة والذود عنهم بكل ما أوتوا من قوة، فهؤلاء من أبعد الناس عن المنهج الحق - وقد بينا حقيقتهم برسالتنا"احذروا أدعياء السلفية"فلتراجع -

ثالثًا: إن ما يتميز به أهل السنة والجماعة عن غيرهم؛ متابعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، واجتماعهم على المتابعة، فهم مجتمعون غير متفرقين، فالتفرق دليل عدم متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم، وأهل الحق ما وافقوا الحق إلا لحصول المتابعة، ومن المتابعة الاجتماع - وهذا ما دلت عليه النصوص الثابتة المبينة آنفًا -

فأهل السنة متعاضدون متراحمون، مثلهم بالجسد الواحد الذي إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر، ولا يكون هذا الوصف مع التفرق والاختلاف، فاجتماع المؤمنين من أبرز الأدلة الدالة على صدقهم، فلا يكون أهل الحق إلا مجتمعين.

وضابط الاجتماع؛ عدم الاختلاف المؤدي إلى الفشل كما قال سبحانه: {وَأَطِيعُوا اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} .

لذا حرص الإسلام على عدم تفرق الأمة حفاظًا على قوتها ولحمتها، وذلك من خلال الأمر بتنصيب إمام يكون المسلمون كلهم تحت إمرته.

ومن الأدلة على ذلك ما أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة عن النبي أنه قال: (من خرج من الطاعة، وفارق الجماعة، فمات، مات ميتةً جاهلية، ومن قاتل تحت راية عمية يغضب لعصبة، أو يدعو إلى عصبة، أو ينصر عصبة، فقتل فقتلة جاهلية، ومن خرج على أمتي يضرب برها، وفاجرها، ولا يتحاشى من مؤمنها، ولا يفي لذي عهد عهده، فليس مني ولست منه) .

فهذا الحديث الشريف؛ يبين وجوب طاعة الإمام، واعتبار من خالفه وخرج عنه من المتصفين بصفات الجاهلية، أعاذنا الله من ذلك، فالمسلمون يجتمعون تحت راية واحدة، تحت نظام واحد، تحت إمرة أمير واحد، وإلا فالنتيجة التفرق والاختلاف، وهذا ما ذمه الشارع ونهى المسلمين عنه، فالمسلمون أين ما كانوا لا بد لهم من وجود نظام ينتظمون به يحافظ على وحدتهم وألفتهم.

ولهذا جاء في الحديث الصحيح عن عمر أنه قال: (إذا كنتم ثلاثة في سفر فأمروا عليكم أحدكم ذا أمير أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم) [قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين] .

وهذا الأثر ثابت صحيح له حكم الرفع، ولا خلاف في ذلك.

والعلة من تأمير الأمير في السفر الحفاظ على وحدة الجماعة، إذ المسافر منقطع عن الإمارة الحقيقية، لذا جاء تقيد الإمارة في السفر دون غيره، مما يدلنا ذلك على وجوب اجتماع المسلمين في الحضر والسفر، أما في الحضر؛ فمن خلال طاعتهم لإمام المسلمين، وأما حال انقطاعهم عن إمارة الأمير العام، كأن يكونوا في سفر؛ فمن خلال أمير السفر.

والجماعة اليوم قائمة، وستبقى قائمة إلى يوم القيامة، واحتمال تفرقها قائم، وعليه لا بد للجماعة من أمير ينظم شؤونها، ويجمع بين أفرادها حتى يتحقق لها الاجتماع، وهذا الأمر يحتاج إلى تفصيل أكبر، فليس المجال مجال تفصيل.

خلاصة القول:

إن اتباع سبيل المؤمنين واجب، وهو سبيل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وهم المعروفون بأهل السنة والجماعة - أي أهل الاتباع والاجتماع - فلا يكون أهل الحق إلا متبعين مجتمعين، غير مختلفين أو متفرقين.

فهم جماعة واحدة متصلة منذ عهده وستبقى باقية إلى قيام الساعة، لا يقومون على أفكار اجتهادية، أو قواعد خلافية، بل يتبعون النصوص المحكمة وما قام عليه الإجماع، ولا يوالون ويعادون في أشخاص أو مذاهب أو أحزاب، ولا يعتزلون أهل الحق، أو يخذلون عنهم، بل يعملون معهم، ويبذلون في سبيل إقامة شرع الله النفس والنفيس.

ومع ذلك فهم متحابون متراحمون متعاضدون، كمثل الجسد الواحد الذي إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر.

وكل من خالف سبيلهم، أو عمل بما يتناقض مع سبيلهم؛ فهو من أهل الفرقة والضلالة المستحق لوعيد الله سبحانه.

ومن هذا المنطلق؛ فإنني ادعو المسلمين جميعًا إلى التعرف على أهل السنة والجماعة، والعمل معهم، وعدم خذلانهم ليتحقق لهم النصر والتمكين، وليكونوا من أهل الحق العاملين الفائزين بجنة عرضها السماوات والأرض أعدها الله لعباده المتقين.

هذا وبالله التوفيق

وصلِ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

18/محرم/1426 هـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت