ويظهر التناقض في هذا القول إذ يقول صاحبه: (ويخطئ من يقول بأن كلمة الظن تفيد اليقين، وإن كان القائل من علماء اللغة) .
ومفهوم هذا القول، إن هنالك من العلماء من يقول بأن كلمة الظن تفيد اليقين كما أوردنا ذلك عن بعض أهل العلم آنفا، فأصبح ما قاله اجتهادًا لا يقينا فانظر إلى هذا التناقض!
قال أبو العباس - أحد علماء اللغة - في مثل هذا الأمر: (إنما جاز أن يقع الظن واليقين لأنه قول القلب فإذا صحت دلائل الحق وقامت أماراته كان يقينًا، وإذا قامت دلائل الشك وبطلت دلائل اليقين كان كذبًا، وإذا اعتدلت دلائل اليقين والشك كان على بابه شكًا لا يقينًا ولا كذبًا) [الأضداد لمحمد بن القاسم الأنباري] .
ومما يؤكد خطأ القول بأن الظن لا يفيد إلا الترجيح بين قولين أحدهما راجح، والآخر مرجوحًا:
1)ما جاءت به الآيات القرآنية إذ دل سياقها على التفريق بين معنى الظن في عدة مواضع كما أشرنا إلى ذلك، فعلى سبيل المثال قوله تعالى: (الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) . فالظن هنا بمعنى اليقين، إذ لا يجوز في هذا الموطن أن يكون الظن بمعنى الترجيح بين الاحتمالين، وذلك أن الأمر متعلق بالإيمان باليوم الآخر، وهذا لا يقوم إلا على يقين، فلو كان المعنى ما ذهبوا إليه لكان جائزًا أن يدخل شيء من الريب فيما يتعلق بالمعتقد، وهذا باطل بلا شك.
2)إن الظن الذي ورد في الآية المباركة جاء في سياق المدح، والظن الذي نهى الله سبحانه عن اتباعه جاء في سياق الذم، وبين المدح والذم بون عظيم.
3)إن الظن الوارد في الآية متعلق بالإيمان باليوم الآخر، وهو مسألة في صميم العقيدة، وهو مما طلب الإيمان به، ومن المعلوم ضرورة أن الاعتقاد لا ينبني إلا على اليقين.
وإليك آية تبين الفرق بين معنى الظن بيانًا واضحًا: قال تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَونُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا * قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَآئِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَونُ مَثْبُورًا) ، ولا ريب أن ظن موسى عليه السلام مبني على اليقين والثقة بالله سبحانه، إذ وعد الله سبحانه الظالمين بالهلاك إذ قال وقوله الحق: (أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ