أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ). وأما ظن فرعون فهو قائم على الجهد والتكذيب، قال تعالى: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ) . والفرق بين الظنين واضح.
ولكن الذي حمل أصحاب هذا الرأي على القول بأن الظن لا يفيد إلا الترجيح بين الاحتمالين، فرارهم من بناء أصلهم هذا على الظن الذي حذروا الناس من إتباعه، فلو سلموا بأن الظن يحتمل عدة وجوه كما أسلفنا لأقروا بخطأ منهجهم وبعده عن الصراط القويم.
ثانيًا:
أ) إن من مستلزمات القول باشتراط تحقق التواتر لحصول اليقين فيما نقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، اختلاف الصحابة رضي الله تعالى عنهم في عقيدتهم، وذلك لو أن صحابيًا سمع حديثًا من الرسول صلى الله عليه وسلم لكان واجبًا عليه الإيمان به، على خلاف من سمع حديث الرسول من الصحابي نفسه لا من الرسول صلى الله عليه وسلم، إذ يحرم عليه الإيمان بالحديث الذي نقله إليه ذلك الصحابي لعدم تحقق العدد المطلوب، ومثل هذا الأمر لم يعرف في الصحابة رضي الله تعالى عنهم رغم كثرة وقوع هذه الصورة فيهم، فقد كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم ينقل بعضهم عن بعض أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم دون اختلاف بينهم في العقيدة أو المنهاج، وما يجب أن يؤمن به المسلمون، هو ما آمن به الصحابة رضي الله تعالى عنهم، قال تعالى: (فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) .
ب) ومن ناحية ثانية، فإن اختلاف الصحابة رضي الله عنهم في إثبات أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم تفرق في الدين، إذ يؤمن البعض في أحاديث لا يجوز للبعض الآخر أن يؤمن بها، وهذه الصورة من أعظم الصور التي حذر منها القرآن وتوعد من خالفها، قال تعالى: (شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ) .
ثالثًا: إن الآيات الكريمة نهت عن إتباع الظن، لا الإيمان به فحسب: