الصفحة 7 من 36

حتَّى كُنَّا أهلًا لهذا الهوان، واستكملنا موجِباتِ الخذلانِ، فالله تعالى يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ} ، فكيف يَرجو المشروطَ مَن تعمَّدَ تركَ الشرط؟ وروى أبو داوود وغيره [وحسَّنَه بعض أهل العلم] من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا تبايعتُم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتُم الجهادَ؛ سلَّط الله عليكم ذُلاًّ لا ينزعُه، حتَّى ترجعوا إلى دينِكم) وروى الطبراني: (ما ترك قوم الجهاد إلا ذلوا) ، فكيف يَرجو دفعَ الأثرِ مَن جدَّ في طلبِ أسبابِه؟ والله سبحانَه يأمُرُنا ويقول: {فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ} ، ونحن نعصي اللهَ ونُمسكُ عَن القتالِ بل وعن الكلامِ الواجِبِ؛ فهل يَظُنُّ مؤمِنٌ بربِّه أنَّ الكفارَ بغيرِ طاعتِنا للهِ فيهِم؛ يَنتهونَ؟ وهل مِن هادٍ غير الله يهدينا إلى ما به ينتهون؛ حتى ننصرف عن أمر الله إلى أمره؟

إنَّ النَّاظِرَ في أحوالِ المسلمين لا يخطئ نظرُه أنَّ حديث (أنتم يومئذٍ كثير ولكنَّكم غثاء كغثاءِ السيل) مِن أعلامِ نُبُوَّتِه صلى الله عليه وسلم. وحقيقةُ الغثاءِ فينا مركَّبةٌ مِن ضَعفين: شرعيٌّ؛ وهو ضعفُ الإيمانِ بخبرِ اللهِ والتفريطُ في أمرِه، وطبْعيٌّ، وهو أثرٌ للأوَّل؛ وهو غلبةُ الجبنِ، واستمراءُ الذُّلِّ، والرِّضا بالهوانِ، والدَّافِعُ إليها هو المذكور في الحديث: (حبُّ الدنيا وكراهية الموت) .

وأعظمُ المصيبةِ في الدِّين؛ أن يوسدَ أمرُ الدِّينِ إلى مَن ليس له أهلًا، وأن يُتَّخَذَ رأسًا مَن ضلَّ جَهلًا، وأن يُؤتَمَن على الإمارةِ الخَوَّانُ، ويَصدُرَ النَّاسُ في المُلِمَّاتِ عَن رأيِ جبانٍ؛ إذًا: يفسدُ الإيمانُ؛ بضلالٍ في التصوُّراتِ، وإعراضٍ عَن المأموراتِ؛ انصرافًا إلى المحدثاتِ، وإخلادًا إلى الأرضِ، وإنَّا للهِ وإنَّا إليه راجعون.

ويَكفي أحدَنا - إلا مَن رحم الله- أن يَنظر في فعله (والتَّركُ مع قيامِ مقتضى الفعلِ؛ فعلٌ) ؛ ليُدركَ أنَّه ذو أثرٍ في هوانِ الأمَّةِ، بقَدرِ تفريطِه فيما أُمِرَ به لنصرتِها، يشتركُ في ذلك ولاةُ أمرِها مِن علمائها، وأغنياؤها، وسياسيُّوها، وإعلاميُّوها، وعامَّةُ المنتسبين إلى هذه الأُمَّةِ؛ كلُّهم أُمِرَ بوسعِه لنصرةِ الإسلامِ، ووسعُ هذا فوقَ وسعِ ذاك، فليَنظُرْ كلٌّ في فِعلِه، وليقرَّ لنفسِه بالتقصيرِ إن شاءَ إصلاحًا، أو ليَكذِبْ -إن شاءَ- عَليها؛ بردِّ تقصيرِه إلى عَجزٍ، وجُبنِه إلى حكمةٍ.

ونحن إذا رَجَعْنا إلى مصيبةِ كاميليا ومَن سبقْنها ومَن سيلحقْنَ -إن لم نتب إلى اللهِ من خذلانِ الدِّينِ- ونظرنا في الأمرِ نظرَ صادقٍ ذي ديانةٍ صافيةٍ أو فطرةٍ باقيةٍ؛ أدرَكنا عظم مصيبتِنا، وأنَّها مصيبةٌ في الدِّينِ، وأنَّ مصيبةَ أسرِ أختِنا ليست إلا مُسبَّبًا عن المصيبةِ العظمى وأثرًا مِن آثارِها؛ فهي تتكرَّرُ ببقائها؛ ولهذا كانت وفاءُ، وتَلَتْها عبير، واليومَ كاميليا، وغدًا غيرُهنَّ، صِرنَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت